الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

المثقف سياسيا

لقد جنى المثقف على الثقافة عندما حاول أن يضفي شرعية ثقافية على تلك القوى والأحزاب كما جنى على السياسة عندما أقحمها في ميدان العمل الثقافي.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2015/07/07، العدد: 9971، ص(15)]

قد يبدو من نافل القول إن الثقافة ومعها المثقف العربي هم أكثر الغائبين عن المشهد العربي العاصف، والأقل فاعلية وتأثيرا فيما يحدث من متغيرات واسعة، سياسيا واجتماعيا وثقافيا بعد انتفاضات الشباب العربي. فهل كان المثقف يبالغ في أهمية دوره ليعطي لنفسه قيمة اجتماعية ومعرفية خاصة، وبالتالي لجأ إلى المبالغة في الحديث عن دور الثقافة في مجتمع كان أكثر من نصفه من الأميّين.

الجواب على السؤال يمكن أن نجده في سؤال آخر، هو إذا كان للمثقف والثقافة كل هذه الأهمية، فلماذا كان المثقف العربي لا يجد نفسه أو دوره خارج الالتزام السياسي. أغلب المثقفين في نصف القرن الماضي كانوا ينتمون إلى أحزاب قومية وماركسية، بل إن العديد منهم حقق شهرته من خلال الترويج الواسع الذي كانت تقوم به تلك الأحزاب لهم.

هذا الالتزام فرض على المثقف أن يكون مثقف الحزب أو الأيديولوجيا، وشكّل غطاء ثقافيا كان يحتاجه السياسي لإضفاء قيمة ثقافية وحضارية على سلطته، لكنه بعد أن تغوّلت سلطته المستبدة، صارت تتعامل معه بفوقية جعلت منه مجرد تابع لها.

مشكلة المثقف العربي أنه لم يحاول أن ينظر إلى دور الثقافة بمعزل عن علاقتها الوطيدة بالسياسة، الأمر الذي أفقده دوره التنويري والنقدي المستقل، بوصفه مرجعية معرفية وأخلاقية تستمد قيمتها من هذا الدور الريادي. لذلك عندما انهارت جميع المشاريع الأيديولوجية ومعها الدولة الشمولية العربية، وجد المثقف نفسه هامشيا بلا دور أو تأثير فيما يحدث حوله، ما جعله يبحث عن أية مكاسب أو حضور في أي مكان، بل لم يعد يخجل من التسابق للحصول على مغنم مادي أو معنوي تحت أي سماء كانت، بعد أن كانت سماء الأيديولوجيا هي التي يمشي منتصب القامة تحتها.

الثمن الذي دفعه المثقف بعد انهيار تلك المشاريع كان نتيجة طبيعية للتداخل، الذي حدث بين سلطتين متباينتين في التوجه والسلوك والموقف، هما سلطة السياسي وسلطة الثقافي، ما شكل عبئا أخلاقيا واجتماعيا عليه، أفقده هامش الحرية والوظيفة النقدية التي كان عليه أن يقوم بها، لكي يحافظ على استقلالية دوره، وعلى كرامة الثقافة ومصداقية المثقف.

لقد جنى المثقف على الثقافة عندما حاول أن يضفي شرعية ثقافية على تلك القوى والأحزاب كما جنى على السياسة عندما أقحمها في ميدان العمل الثقافي، لأن السياسة تتعامل مع الآني وعلى أساس المصالح، بينما الثقافة تتعامل مع القيمي والكلي والاستراتيجي. هذه الازدواجية جعلت المثقف يربح نفسه إلى حين ويخسر الثقافة، ليجد نفسه أخيرا قد خسر نفسه وخسر الثقافة أيضا.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر