الاربعاء 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10820

الاربعاء 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10820

تونس والانهيار على الطريقة الصومالية

'الصوملة' قد تكون النموذج الأقرب لانهيار المؤسسات، حيث تمثّل ضعف السلطة المركزية، وانتشار الجماعات التكفيرية، وتحوّل الحدود إلى مجالات مفتوحة للتهريب والإرهاب.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2015/07/07، العدد: 9971، ص(8)]

أن يتوقّع الرئيس التونسي الباجي القايد السبسي انهيار البلاد في حال تكرار عمليات إرهابية على غرار مجزرة سوسة دليل على الحالة الحرجة والخطيرة التي وصلت إليها تونس، ومؤشر أيضا على قلّة البدائل القائمة والخيارات المتوفرة للتصدي إلى ظاهرة الإرهاب المستشري في الجسد التونسي خاصة والعربي عامّة. حديث الباجي عن انهيار تونس المربوط بتكرار العمليات الإٍرهابية يعود في تقديرنا إلى 5 أسباب:

1 - استهداف السياحة هو استهداف للخزان الاستراتيجي الأوّل في تونس، وهو ضرب لأهمّ مقوم من مقومّات الاقتصاد، وطالما أنّ تونس لا تملك “المخزون التعويضي” لفاتورة الضربات الإرهابية، فإنّ وصول يد الإرهاب إلى قطاع السياحة يعني انهيار القطاع الحيوي والاستراتيجي في تونس.

2 - الوضع الراهن في ليبيا يؤشر على استمرارية حالة فوضى السلاح وتحوّل التنظيمات التكفيرية إلى “شبه سلطة” تسيطر على أجزاء من التراب الليبي وعلى آبار النفط، وقد تصل في أي وقت إلى الجزء الغربي الحدودي مع تونس، وبالتالي يصبح الخطر الذي يتهدد البلاد لا يكمن في العمليات الإرهابية، وإنّما في سيطرة الإٍرهاب على جزء من التراب التونسي بعد أن تمكن من جغرافيا مساندة له في ليبيا، وهو ذات النموذج الحاصل في سيناء المصرية والجاري في الموصل والرمادي العراقيتين.

3 - تونس وصلت إلى حدّ من التبعية المديونية من الدول المقرضة والمؤسسات النقدية العالمية ما يحول دون مزيد من تعويلها على المساعدات النقدية الخارجية، لاسيما وأنّ تونس ينتظرها عام 2017 وهو عام استرجاع الديون الخارجيّة بفوائض مالية كبيرة، ما يعني أنّ البلاد، في حال استمرار الأزمة الاقتصادية واستنزاف مقدرات النهوض الاقتصادي، مؤهلة لتكون ضمن “الدول الفاشلة” العاجزة عن ردّ الديون المتخلدة في ذمتها والقاصرة عن بسط الأمن في ترابها.

4 - الإرهاب يجد له في تونس تربة استنبات وتوطين نتيجة عدة اعتبارات اقتصادية واجتماعية وفكرية وسياسية، وهي نفس النتيجة التي وصلت لها 4 استطلاعات للرأي غربية عربية أجريت حول تأييد المجتمعات العربية للتنظيمات التكفيرية، وانتهت إلى عدة نتائج مفزعة من بينها أنّ نحو 800 ألف تونسي يعبرون عن تضامنهم مع “داعش” ومع بقية التنظيمات الإرهابية.

5 - أنّ المقاتلين التكفيريين التونسيين يمثلون عصب القوّة المادية والرمزية في داعش انطلاقا من سوريا والعراق وليس انتهاء بليبيا، وطالما أنّ الدولة، بثورتها وبدولتها العميقة، عاجزة عن استيعاب التكفيريين الشباب وإعادتهم إلى مسار الاعتدال ودفعهم إلى نقد ذاتي ومراجعة تأصيلية لأفكارهم، فإنّ خطر الإرهاب التونسي سواء داخل البلاد أم خارجها سيبقى المرض المزمن والعضال لدولة الثورة في زمن عزّ فيه الدواء والترياق.

تدرك تونس أنّ نموذج الصومال يزحف على البلاد، وأنّ كافة مقوّمات الصمود استنزفت في راهن المطالب المجحفة والمشطة وفي سياق التجاذبات والتباينات السياسية، كما تعي أيضا أنّ “القوة الرمزية” للربيع العربي ولثورة 14 يناير لا يمكن استدرارها ماديا وإعلاميا أكثر مما حصل على مدى أربع سنوات من عمر الثورة التونسية.

اقترف السبسي خطأين فادحين في إستراتيجية الخطاب الإعلامي ضدّ الإرهاب، الأوّل عندما كشف عن ضعف استخباراتي ووهن استشرافيّ، بالإشارة إلى أنّ الحكومة كانت تتوقع أن حادثة باردو هي الحادثة الأخيرة في العمليات الإرهابية، والثاني حين أبان عن اهتراء واضح في الدولة التونسية قد يؤدي إلى انهيارها في حال تكرار عمليات إرهابية على شاكلة عملية سوسة، وهي إبانة من شأنها أن تشجع المتطرفين على مزيد القيام بعمليات إرهابية في البلاد.

“الصوملة” قد تكون النموذج الأقرب لانهيار المؤسسات، حيث تمثّل ضعف السلطة المركزية، وانتشار الجماعات التكفيرية، وتحوّل الحدود إلى مجالات مفتوحة للتهريب والإرهاب، وانحسار القطاعات الحيوية في مربع أمني ضيّق على شاكلة المنطقة الخضراء في العراق، إضافة إلى انفتاح البلاد على كافة التدخلات الإقليمية والدولية كلّها تشكّل أبرز مياسم الدولة الفاشلة على الطريقة الصومالية، ومن يدري فقد تتحوّل “التونسة” من نموذج للنجاح الثوري إلى مثال للفشل الشامل بعد النجاح النسبي.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر