السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

واين روني وستيفن هوكنغ

تجد رجلا حاسر الرأس أشعث الشعر أو يرتدي طاقية أو عقالا وغترة ويرتدي ملابس نصف مهترئة يقول بنبل وغطرسة “أرفع لك قبعتي”. أي قبعة؟ أي قبعة أريد أن أفهم؟

العرب حسين صالح [نُشر في 2015/07/07، العدد: 9971، ص(24)]

كنت في تاكسي مهترئ سائقه مهترئ أيضا وكان ذلك في القاهرة. التاكسي على شيخوخته لعوب ويتقافز لأي نقرة في الطريق. السائق رث الثياب والأسنان، لكنه يفتتح كل جمله بعبارة بدت غريبة وغير مناسبة. عندما يبدأ حديثه بقول “يا سيدي الفاضل”. هكذا، بالفصحى. لعنت الفضائيات في سري وبرامج المهاترة التي يسمونها حوارا. بدت العبارة رثة مثل السائق ومفتعلة لكنه يقولها بفخر كمن ألفها واخترعها.

هناك ثقافة جديدة مستقاة من الفضائيات واليوتيوب والفيسبوك أيضا. تجد ربة بيت نصف متعلمة وهي امرأة جيدة تعرف كيف تنتقي البامية وتنشر الغسيل كما لا ينشره أحد، امرأة طيّبة كهذه لم تعد ترسل الهدوم إلى صاحب المكوى الفلاني، مثلا، لأنه يخلف مواعيد كواء الملابس وإيصالها، اليوم صارت لا تقول ذلك بل تقول وبفخر أيضا “المكوجي عملت له بلوك”. أو تجد فتاة تهين رفيقة لها قائلة “إنك تستحقين الشفقة” على سبيل الإهانة. وهذه عبارة لا شك أنها مستقاة من فيلم أجنبي على يوتيوب كتبها سيناريست تافه وترجمت إلى العربية. لعل كاتبها فريدريك ثريبوود.

كمية التفاهة في هذا التعبير لا يمكن أن يحيط بها وصف لكنها شائعة عند الشباب العرب. لم يفكر أحد في الالتفات إلى الشفقة وكيف أنها عاطفة نبيلة وسامية. هكذا نزعوا عن الشفقة نبلها وصار الكل يردد “تستحق الشفقة” من باب الازدراء. ولم ينتبه أحد إلى أن العبارة مبتذلة ولا معنى لها.

تجد رجلا حاسر الرأس أشعث الشعر أو يرتدي طاقية أو عقالا وغترة ويرتدي ملابس نصف مهترئة يقول بنبل وغطرسة “أرفع لك قبعتي”. أي قبعة؟ أي قبعة أريد أن أفهم؟ هل أنت لويد جورج أو بسمارك. وقبولا بمبدأ رفع غطاء الرأس كدليل على الاحترام، وهي حركة غير مألوفة، لماذا لا تقول أخلع طاقيتي أو اتفرّع من عقالي. ومن لك بعبارة نقبلها فقط من نبيل أوروبي من القرن التاسع عشر؟ لكنه قد رآها في ما يرى من مترجمات يوتيوب أو ما يردده المتهاترون في الفضائيات.

العبارات التي لا معنى لها لا تقتصر على إفرازات الفضائيات واليوتيوب. قبول عبارات مهترئة مرض يمتد لعقود. هناك واحدة تستفزني بالذات وهي مقولة “العقل السليم في الجسم السليم”. هذه مقولة إغريقية أظن أنها إسبارطية تنتمي إلى عصر ما كان للمعاق فيه مكان ضمن مجتمع محارب وعسكري الإنشاء. يعني مثل وأد البنات لدى قبائل عربية همّها القتال والغزو، البنت فيها تعيق عن إتمام مهمة القبيلة.

العبارة لا تعني شيئا لا قديما ولا حديثا. عندما تقال أتذكر الأحنف بن قيس والجاحظ. هما العقل كله والأناة وحسن التفكير. في عصرنا هذا أود أن أصنع بوسترا أضعه في كل الشوارع أضع فيه صورة لاعب كرة مشهور مثل واين روني وإلى الجنب منه صورة عالم الفيزياء الكونية العظيم ستيفن هوكنغ وأكتب تحتها “العقل السليم في الجسم السليم”.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

:: اختيارات المحرر