الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

مستشرقو الربيع العربي وجهالات الفتاوى

إذا تعلق الأمر بمصر يتحرر المستشرق العربي البائس من أي التزام عقلاني أو أخلاقي، تماما كما يكون انتقاد أميركا ورئيسها مهنة مجانية للعجزة من أرامل الاستبداد العشائري والديني.

العرب سعد القرش [نُشر في 2015/07/08، العدد: 9972، ص(8)]

يذكرني الدواعش بصبا لم يجرفني إلى مستنقع الدم. التطرف الذي تشربته روحي من مجلة “الدعوة” وكتابات سيد قطب ومصطفى مشهور، لم تؤثر فيه سماحة عمر التلمساني، واحتاج إلى أكثر من عشر سنوات من “جهاد النفس” للتخلص من آثاره، ولكنه كان كافيا لتحطيم تمثال في المدرسة الإعدادية، لكي أطهر الفناء من مظاهر “الجاهلية الأولى”.

بعد أكثر من ثلاثة عقود وثلاثة أبناء، أتذكر ذلك الصبي الذي يحلو له تجاهل حديث “أجرؤكم على الفتيا (أو الفتوى في رواية أخرى) أجرؤكم على النار”. كنت أجرؤ وغيري يجرؤ، نسارع إلى اتهام الآخرين بالكفر، كأن الله لم يهد سوانا. أحمد الله الذي أنقذني، وأرثي لآخرين لم تبلغهم “آثار رحمة الله”، ويتجاهلون حديثا نبويا عن حرمة الدم، قداسة يهون إلى جوارها هدم الكعبة.

عمى بصيرة يصيب أرواحا متصحرة لا تتقرب إلى الله بالنوافل، وإنما بحصد النفوس. نوع آخر من العمى يصيب آخر طبعات المستشرقين العرب، بعضهم يتخذ من محميات أميركية تنتمي إلى عشائر ما قبل الدولة، منصات للنواح بأجر على مصير دول الربيع العربي، وحين يتعلق “الكلام” بمصر يحتاج إلى استعارة الكثير من الشجاعة إلى درجة إهانة الشعب المصري؛ فالأعطيات تستحق، وتذل أعناق مستشرقين، بعضهم ليس إخوانيا وليس مسلما. أحدهم يعي بحكم خبرة التربية الماركسية أن أيا من ضفتي الخليج، حيث يقيم، تفتقد إلى الحد الأدنى لمعنى “الدولة”، من وضع مخرج سينمائي قيد الإقامة الجبرية وحرمانه من حقه في العمل، وسجن شاعر بسبب قصيدة ينتقد فيها سياسات أمير سابق.

يزعم مستشرقو ما بعد الاستشراق حبا لمصر يدفعهم إلى إخراج ما يظنونه قذى، متجاهلين الخشبة في أعينهم، وينسون أن العصيان المدني والثورات والاحتجاجات والاعتصامات تقوم بها شعوب واعية، تهدف إلى تحسين أحوالها، ولو بخلع الحكام وتغيير أنظمة الحكم، ولا يمكن طرح أي من هذه المصطلحات في محميات أميركية، ربما يحدث هذا حين تصبح المحمية “دولة”.

في الجرأة على امتلاك حق التكفير الثوري والوطني، يتماهى المستشرق العربي مع التكفيريين الدينيين، يصغر شأنه وتقصر قامته فأرى فيه الصبي الذي كنته حين بلغت الثالثة عشرة، وعرفت كيف أردد أسماء ابن القيم وابن تيمية والمودودي. ذلك الصبي، الذي يجرؤ أولاده الآن على مراجعته وتصحيح ما يرونه من أخطائه، لم يزده البحث إلا شكوكا، فلا يستطيع أن يقطع برأي في ما يتعلق ببلد شقيق: هل كانت أحداث العراق في يوليو 1958 ثورة على شرعية الملك أم انقلابا؟ وماذا عما جرى عام 1963، ثم في يوليو 1968؟ وفي أي مكان يمكن تصنيف عبدالكريم قاسم؟ تماما كما لا يمكن ادعاء الحكمة والإفتاء السياسي والثوري بخصوص الرئيسين أحمد بن بلة وهواري بومدين، ماذا جرى عام 1965 ولماذا؟ أهل الجزائر أدرى بشعابها، وأهل العراق أيضا.

في الجرأة على امتلاك حق التكفير الثوري والوطني، يتماهى المستشرق العربي مع التكفيريين الدينيين

إذا تعلق الأمر بمصر يتحرر المستشرق العربي البائس من أي التزام عقلاني أو أخلاقي، تماما كما يكون انتقاد أميركا ورئيسها مهنة مجانية للعجزة من أرامل الاستبداد العشائري والديني. المفارقة أن الشوام في الداخل والهاربين من جحيم الأسد أكثر نشاطا وجرأة، ولا يكفون عن وصف الاحتجاجات الحاشدة في 30 يونيو 2013 على حكم يميني، طائفي بالضرورة، بأنها “انقلاب عسكري”، وبأثر رجعي يقدمون توعية للشعب ناصحين إياه بالصبر واستمرار الاحتشاد في الميادين إلى أن يرضخ محمد مرسي ويتخلى عن الحكم. وقبل أن تهدأ أصداء انفجار في ريف دمشق يكتب أحدهم فتوى فيسبوكية عن عبدالفتاح السيسي “الانقلابي البونابرتي الذي سيضيع مصر”، فيتلقف فتوى المتعوس السوري خائب للرجاء في الجزائر، ويؤكد بيقين الجهلاء أن مصر “ستدخل بسبب جهل السيسي أكبر مرحلة دموية في تاريخها. ولولا انقلاب السيسي لأسقط الشعب حكم مرسي”.

مصر الكبيرة تخدع المستشرق العربي بمساحة عريضة لحركة الفتوى، فينال من الماضي أيضا، ويستأسد حتى على جمال عبدالناصر حين يريد شتيمة حسن نصرالله “كان اليمن مقبرة لمصريي عبدالناصر، وسيكون مقبرة لحزب الله”. أضحكتني طرفة “مصريي عبدالناصر”، هي مرض نفسي تفسره نظرية الإسقاط، وجهل مركب لأن هذا البلد الوحيد الذي ظل اسمه “مصر”، لم تتغير حدود الدولة أو اسمها، ولا نسبت لحاكم أو لحكم استعماري أو وطني. أما جيشها فليس جيش أحمس وتحتمس وحور محب ورمسيس وأحمد عرابي ومحمد عبيد وعزيز المصري وعبدالناصر وحسين طنطاوي والسيسي، هو جيش شعب واحد قال عنه اللورد كرومر في نهاية القرن التاسع عشر “لم أر في مصر مسلمين ومسيحيين، رأيت مصريين بعضهم يتعبد في المسجد، وبعضهم يتعبد في الكنيسة”. واستيقظت الفتنة مع الإخوان والسلفيين في نهاية 2011 حين حرموا تهنئة المسيحيين بعيدهم، وشملت الفتنة المسلمين في دينهم حين سمح مرسي في ملتقى جماهيري باستاد القاهرة لسلفيين بسب الشيعة “الأنجاس”، فانفعل بسطاء وقتلوا أربعة من الشيعة يوم 23 يونيو 2013، تنفيذا لفتوى “العلماء”.

ولكن مستشرقي الربيع العربي لم يروا هذا الحق، لأن قوله غير مدفوع الثمن، ولا تفتح له أبواب فضائيات محميات الخليج، ومراكز “بحثية” محمولة جوا من قيظ البداوة إلى ضباب لندن، وفي الضباب لم تتضح لهم رؤية مقدمات 30 يونيو وأنه حتى عزل مرسي يوم 3 يوليو لم تسقط قطرة دم، وكانت “رابعة” منصة لإطلاق خطاب الكراهية والعنصرية والتحريض على القتل، وتصوير الأمر على أنه معركة بين “الإسلام” و“الكفر”. لم يبدأ الأمر مع 30 يونيو؛ إذ زايد على مرسي وهو رئيس تكفيريون، كما تزايد داعش على “طواغيت حماس” وتتوعدهم. داعش التي تعيد البشرية إلى أسوأ تمثيلات الردة الحضارية، قتلا وسبيا، لا يهتز لها ضمير المستشرق العربي المريض بمصر.

يستيقظ المستشرق حريصا على “أكل العيش”، بمعنى الارتزاق المباشر أو الاطمئنان على رسوخ “دليل اليقين الثوري”، فيبحث في الإنترنت عن شيء يروي ظمأه، ويعثر في الزبالة على ادعاء للإخوان بأن الجيش يقتل جنوده ليلصق التهمة بالإخوان، فيردد المستشرق “الخبر”، ويشتم الجيش والسيسي والانقلاب والشعب “الغبي”، فلما وقعت “غزوة الشيخ أبي صهيب الأنصاري على جيش الردة المصري في ولاية سيناء” (14 رمضان، 1 يوليو 2015) سارع المستشرق نفسه إلى اتهام الجيش والسيسي بعدم الأهلية، وحين فوجئ بالشعب مع جيشه أصابه ارتباك مؤقت، ولكنه لا يمتلك شرف الإقدام على الانتحار. فيا أخي في اليسار والماركسية “بص في ورقتك”، بالمعنى العربي والتونسي أيضا.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر