السبت 21 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10788

السبت 21 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10788

فردوس وهمي لا يستحق الموت

أين ذلك البريق الذي من أجله يركب الشباب قوارب الموت وتلوع نار الفراق أمهاتهم وعائلاتهم، لا عيش رغد ولا سيارة فارهة، بل نفق مظلم وحياة بائسة تعيشها شعوب الفردوس الأوروبي.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2015/07/10، العدد: 9974، ص(21)]

فكرتي عن الفردوس الأوروبي لا تختلف كثيرا عن أفكار بقية الشباب الحالمين بالهجرة إليه، فقد أبهرنا مواطنونا بالخارج بالحديث عنه وعن الحياة المرفهة فيه، والأموال التي تمطر عليهم من شغل بسيط وجهد قليل، بالمقارنة مع المعاناة اليومية التي نعيشها نحن في أوطاننا العربية، وأشغالنا الشاقة ورواتبنا الزهيدة التي لا تغني من فقر ولا تسمن من جوع.

ظننت بعد أن انتقلت للأقامة في لندن مع زوجي أنني ودعت المتسولين واستجداءهم وملاحقتهم لي في تونس وشوارعها، اعتقدت أنني قطعت أميالا بعيدا عن كل مظاهر البؤس والفقر، وتصورت أن المسافات وسحر لندن وخضرتها ستكون كفيلة بمحو بشاعة صور الفقر والتهميش التي انطبعت في ذاكرتي من كثرة اصطدامي بحالات ميتة بالحياة في بلادي. ولكني اكتشفت أن التسول ليست له رقعة ترابية محددة ولا يقصر على مجتمعاتنا العربية، بل إنه ظاهرة عالمية.

للوهلة الأولى لم أصدق ما رأته أم عيني، وظننت أنه أضغاث أحلام، ولكن مشاهد البؤس والشحاذين لم تختف حتى في الضواحي الأكثر ثراء التي زرتها في لندن وباريس، لقد زحف عليها البؤس وشوه جمالها.

يبدو أن الفقر قد عض بأنيابه هنا أيضا، ودفع بالكثيرين إلى امتهان التسول الذي لم يعد يقتصر على الدجالين والمتواكلين ممن يبحثون عن الكسب السريع ودون جهد أو تعب، وإنما بات أيضا يمثل مورد الرزق الوحيد لعشرات العائلات التي لم تجد أمامها خيارات معيشية تغنيها غير التذلل واستجداء المارة الذين لا يجودون عليهم إلا بالنزر القليل أو يعرضون عنهم، لأنهم هم أيضا في أمس الحاجة إلى كل فلس بسبب كثرة الآداءات وغلاء المعيشة في بلادهم. وقد أظهر تقرير صادر عن مجلس العموم البريطاني أن قرابة الـ 4 ملايين شخص، بما في ذلك 500 ألف طفل يعانون من الجوع في المملكة المتحدة.

وتعتبر ماربل أرك وكامدن وكريدون وإيسلنجتون ولامبيث وساوث وورك، من أكثر المناطق اكتظاظا بالمشردين والمتسولين في لندن. وتشير سجلات الشرطة البريطانية إلى ارتفاع حالات التسول في المملكة المتحدة بـنسبة 70 بالمئة عام 2014.

وتؤكد لغة الأرقام أن عدد الفقراء في بلاد الأنوار أيضا يتجاوز ثمانية ملايين وهو واقع تعكسه صور المتسولين الذين يكسون الشوارع بأجسادهم وتدوسهم أقدام المارة في الذهاب والإياب.

وفي الشانزليزيه، الشارع الشهير بمقاهيه الجميلة ومبانيه التاريخية الفخمة، والذي يراه الفرنسيون على أنه أجمل شوارع العالم وأكثرها شهرة، أصبح الشحاذون جزءا من مشاهده اليومية.

وتكشف الإحصاءات حول نوعية الحياة في بلدان يفترض أن تكون في مقدمة دول العالم من ناحية الرفاهية والثراء، أن غلاء المعيشة والبطالة قد أثقل كاهل شعوبها، وجعل الطبقة الوسطى تندثر تدريجيا، لاسيما وأن عدد الذين يعيشون تحت خط الفقر في ازدياد مستمر. ويتوقع خبراء الاقتصاد أن تدخل شعوب دول الاتحاد الأوروبي في دوامة اقتصادية خانقة جديدة بسبب إصرار الحكومات على تنفيذ سياسات التقشف.

ويساور الطبقات المتوسطة والفقيرة قلق مشوب بالخوف من كثرة المشاكل الاقتصادية والإجراءات الحكومية المجحفة في مجالات الصحة والضمان الاجتماعي والتعليم والضرائب التي تنغص عليها حياتها وتجعلها تعيش في دوامة مستمرة.

أين ذلك البريق الذي من أجله يركب الشباب قوارب الموت وتلوع نار الفراق أمهاتهم وعائلاتهم، لا عيش رغد ولا سيارة فارهة، بل نفق مظلم وحياة بائسة تعيشها شعوب الفردوس الأوروبي.

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر