الجمعة 23 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10672

الجمعة 23 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10672

مهن وطبائع

سترنا الله في عالم السياسة المعاصر من 'الأبّار' و'البرابيشي' و'التهللجي' و'الصاغرجي' و'القنياطي'، فمن ذا الذي يحلّل ويتسامح مع سلوك خوارج اليوم من كل ملة ومذهب، غير قنياطيي اليوم؟.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2015/07/10، العدد: 9974، ص(24)]

ينبسط المجتمع براحاً أمامك، إن قرأته منطلقاً من أسماء ومهن سكّانه، سيما تلك التي ينحدر منها شخوص اليوم التي تتحكم بالمجتمع ذاته. وبمعرفة واستعراض تلك المهن، يمكنك أن تتعرف إلى عادات المجتمعات والشعوب، لترى كيف كانت تجري الأمور.

فقد تعثر على صاحب مشاريع يقول إنها تنموية ونافعة، يحمل اسم “المطربازي”، وهو من كان يبيع السلع المنوعة والأمتعة الجديدة والقديمة في سوق الأروام في دمشق قبل مئات السنين. ويقال في الكتب القديمة إن أكثر المطربازية كانوا من عديمي التقوى، وقد تجد شخصاً يفتي في عالم السياسة والعلاقات الدولية واسمه “السراويلي” وآخر يكتب المقالات وينشر الكتب ويكون اسمه فلان “الحَشّا” وهو الذي كان يحشو الوسائد بالقش.

لكن المدن كانت قد منحت الناس الألقاب والصفات مشتقة إياها من الصنعة التي عرفوا بها، وفي مجاهل تلك المدن نشأت ونمت طبائع البشر، فتطبعوا بأخلاق المدينة، أو شبه المدينة التي لا تتجاوز كونها ريفاً عمرانياً في عوالمنا، فالتصقت بهم مهنهم وصنائعهم، مهما تعلموا وتثقفوا ودارت بهم الأيام دوراتها.

صحيح أن الحق في الحياة والعمل، يمنح الإنسان تلك الإمكانية، لكن أمراً آخر، يبقى متاحاً للناس، هو مراقبة كيف سيعلم “القرداتي” التلاميذ الصغار في المدرسة؟ و كيف سيجز “القصاب” رؤوس الورود إن عمل في زراعتها وبيعها؟ و”المُبيّض” الذي كان يجلس في قلب قدور النحاس الكبيرة، ويدور يميناً ويساراً حتى يعيد إلى القدر لونه الأصلي ويزيل عنه الشحار الأسود، كيف سيقوم بتبييض صفحة الفساد الإداري والسياسي والأخلاقي في الزمن الحديث؟

وكما قرأ الأنثروبولوجيون الإنسان من زوايا مختلفة، العمران والمأكل والمشرب والملبس، يمكن قراءة الواقع من الأسماء، التي لا ذنب ولا ميزة لحامليها بها، إلا أنها فيض دلالة وإشارات.

ففي كل مكان من الأرض تجد أسماء المهن وقد احتلت مواقع أسماء البشر، وتروي الحكايات الشعبية كيف أن خادمة حضرت ولادة الملكة، فبدّلت ابن الملك بابنها، كي يعيش ولدها حياة سعيدة، ولما كبر الطفلان، كان الذي عاش في بيت الخادمة، يجمع أطفال حارته الفقيرة في مجموعات، ويقودهم كي يحارب أطفال الحارة الفقيرة المجاورة، بينما كان الطفل الآخر يتمشى في حديقة قصر الملك، ويبحث بين الشجيرات ويقيسها، وحين اقترب منه الملك مرةً ليسأله عما يفعله، قال إنه يفكّر في أن هذه الشجرة تصلح لاستخراج غرابيل ممتازة لنخل البرغل والقمح وإعداد أحسن الطبخات، وهكذا تصرف كل واحد منهما بنداء عميق وقوي من جيناته.

سترنا الله في عالم السياسة المعاصر من “الأبّار” وهو صانع الإبر، و”البرابيشي” الذي كان يصنع خراطيم النرجيلة، و”التهللجي” رئيس الذاكرين في التهليلة على نفس الميت، و”الصاغرجي” الذي كان يصنّع جلود الدربكات، و”القنياطي” الذي يصلح “الخوارج” وبيوت الخلاء وما تخرب منها وما نزح من مياهها السوداء، فمن ذا الذي يحلّل ويتسامح مع سلوك خوارج اليوم من كل ملة ومذهب، غير قنياطيي اليوم؟.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر