الخميس 21 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10758

الخميس 21 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10758

زمن البيانات الشعرية

الشعرية العربية الحديثة التي كانت في الغالب صدى لتلك الحركات الشعرية في العالم، لم يكن يصلها صدى هذه التحولات الشعرية إلا متأخرا.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2015/07/14، العدد: 9978، ص(15)]

المتأمل في المشهد الشعري العالمي والعربي لا بد أن يلاحظ غياب ظواهر أدبية، حكمت هذا المشهد طوال عقود طويلة من تاريخ التجربة الشعرية، أهمها غياب ظاهرة البيانات الشعرية التي كانت تعلن عن ولادة مدرسة شعرية، تؤسس لقيم جمالية وفكرية جديدة، كانت تعكس تحولا في الوعي والحساسية الشعرية عند رواد هذه المدرسة ومنظريها.

وقد شكل النصف الأول من القرن العشرين زمن التحولات الشعرية الكبرى بامتياز، التي جاءت في سياق نفسي وروحي وثقافي وسياسي ينوء تحت ثقل حربين كونيتين مدمّرتين.

التكعيبية والرمزية والدادائية وقبلهم الرومانسية شكلت محطات بالغة الأهمية في تاريخ الحركة الشعرية في العالم، ساهمت إلى حد بعيد في تطور حركة الشعر العالمي وتنوع تجاربه ولغاته، بصورة عبرت فيها عن قوة المخيلة الشعرية الخلاقة، وقدرتها على تجاوز المألوف والناجز بصورة دائمة ومستمرة.

لم تكن هذه البيانات التي صاغت رؤى الشعر الجديدة، وأسست لقيم جمالية مفارقة مجرد شهادة ميلاد لمرحلة شعرية جديدة، بل كانت تعبيرا عن حيوية التجربة الشعرية الكبيرة، وقدرتها على تكثيف أسئلة الذات والعالم في لحظة وجودية فارقة، كان الشاعر فيها يحاول أن ينتصر بالجمال على شرطه الوجودي ومآسي عصره.

لكن تلك المرحلة التي عرفت ولادة هذه الحركات لم تعمّر طويلا، فقد شهد النصف الثاني من هذا القرن غيابا واضحا لظهور تلك الحركات الشعرية، نجم عنه اختفاء ظاهرة البيانات الشعرية.

هذا الغياب ليس حدثا عاديا، فقد ترافق مع ظاهرة أخرى، هي تراجع حضور الشعر في المشهد الثقافي العالمي، قابله صعود واضح للرواية في هذا المشهد. لذلك فإن قراءة هذه الظاهرة لا يمكن أن تتحقق بمعزل عن سياقها الثقافي العام، لأنها جاءت في إطار التحولات التي طرأت على المزاج الثقافي العام، وعلى إيغال الشعر في مغامرة التجريد والبحث عن الغريب.

الشعرية العربية الحديثة التي كانت في الغالب صدى لتلك الحركات الشعرية في العالم، لم يكن يصلها صدى هذه التحولات الشعرية إلا متأخرا.

لذلك لم تعرف هذه الظاهرة إلا في نطاق محدود جدا، نجده في البيان-المقدمة التي وضعتها نازك الملائكة لديوانها عاشقة الليل، وبيان جماعة الموصل العراقية في الستينات، والتي اختلف شعراؤها على أبوتهم لهذا البيان، إضافة إلى مقدمة أنسي الحاج لديوانه “لن” التي كانت متأثرة بأطروحات سوزان برنار في كتابها قصيدة النثر. كل هذا يقودنا إلى سؤال آخر حول مستقبل الشعر لاسيما بعد أن بدا للكثيرين أن قصيدة النثر هي سقف الشعرية العالمية، وأن أي جديد لن يكون إلا تحت معطفها.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر