الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

وحدة القوى الإسلامية المقاتلة والخطر القادم من الداخل

تباين الأهداف والأجندة الخاصة لقوى الثورة حيال مستقبل سوريا بعد سقوط نظام الأسد، انعكس سلبا على الموقف الدولي الداعم للثورة، وساهم في تردد المجتمع الدولي في دعمه للمعارضة السورية.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2013/10/10، العدد: 9346، ص(8)]

تعقيدات المشهد السوري الدامي باتت تتجاوز قدرة السوريين- ثوارا ومعارضين- على إدارة الصراع مع النظام والتحكم في مساراته واتجاهاته أو التأثير فيه، وبذلك انتقلت من مرحلة قيادته، إلى مرحلة الارتباك والتردد لأسباب كثيرة منها ما هو ذاتي داخلي، ومنها ما هو دولي وإقليمي. وإن كان العامل الداخلي يظل العنصر الأساس في هذه المعادلة الجديدة التي وضعت السوريين بعد عامين ونصف العام من الثورة والتضحيات الجسيمة أمام وضع بالغ التعقيد والتشابك والغرابة والمرارة، لم يكن أحد يتصور أن الثورة سوف تنتهي إليه.

إن أية محاولة لفهم هذه المآلات الصادمة تتطلب قبل كل شيء تفكيك صورة هذا المشهد، وما ينطوي عليه من تعقيدات بالغة تكاد تطيح بما كان يؤمل أن يتم الدفع باتجاهه لتوحيد القوى المقاتلة على الأرض، لاسيما مع تفاقم حالة الاستقطاب والتفكك الحاصلة داخل هذا المشهد وارتفاع منسوب الخطاب الإيديولوجي الإسلاموي داخل المجموعات الإسلامية المقاتلة.

هذه الإنعطافة الخطيرة في مسيرة الثورة بعيدا عن أهداف وتطلعات صانعيها وشهداء انطلاقتها العظيمة، تجعلنا ندرك أن الثورة المختطفة من قبل تلك القوى باتت رهينة مشاريع أبعد من سوريا وأبعد من جميع الأهداف والمطالب النبيلة التي خرج السوريون من أجلها، وهي الكرامة والحرية.

المجموعات الإسلامية المقاتلة في غوطة دمشق لم تنتظر النتائج التي يمكن أن تتمخض عنها لقاءات وفد الائتلاف على هامش اجتماعات الهيئة العامة للأمم المتحدة في نيويورك، فسارعت إلى إعلان توحد أكثر من خمسة وأربعين كتيبة ولواءا وفصيلا مقاتلا إسلاميا في منطقة الغوطة بقيادة زعيم لواء الإسلام زاهر علوش أحد معتقلي سجن صيدنايا الذين أفرج عنهم الأسد بعد الانتفاضة، والسؤال الذي يطرح نفسه ويحمل الكثير من الإجابة عليه في الآن ذاته؛ لماذا لم تستطع أحداث جسيمة واجهتها الثورة السورية عموما ومنطقة الغوطة خصوصا- مثل استخدام السلاح الكيميائي ضد المدنيين ومقتل أكثر من 1500 مدنيا في تلك المجزرة المروعة- دفع تلك الفصائل والكتائب إلى التوحد، في حين كانت تلك الزيارة كافية لدفعها إلى التوحد والإعلان عن سحب اعترافها من قوى المعارضة الخارجية وفي مقدمته الائتلاف الوطني السوري كممثل لها.

قد يجيب البعض بأن السبب يكمن في تجاهل المعارضة السياسية في الخارج لقوى الثورة في الداخل وعدم استشارتها في اتخاذ القرارات الهامة والمصيرية، لكن ذلك رغم وجاهته ليس كافيا لتبرير مثل هذه الخطوة في وقت كانت تحاول فيه تلك المعارضة جاهدة أن تحقق المزيد من الدعم والتأييد لثورة السوريين وفي وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية على تلك المعارضة لحضور مؤتمر جنيف2 دون أن تكون أجندة هذا المؤتمر واضحة المعالم والأهداف، ودون أن يكون هناك أساس محدد تقوم من خلاله تلك المفاوضات.

لاشك أن التيار الإسلامي المتشدد داخل الثورة والذي تمثل تلك الفصائل المقاتلة جزءا مهما منه، شعرت ومعها الأطراف الإقليمية الداعمة لها بأن مشروعها السياسي الذي تعمل من أجل تحقيقه في سوريا لإقامة حكم إسلامي سوف يتم القفز فوقه، ما دفعها للعمل على توحيد صفوفها لتشكيل قوة عسكرية يحسب حسابها في أي حل مفترض، والدليل أن القوى المقاتلة الإسلامية المماثلة لها في منطقة حلب وريفها سارعت هي الأخرى لتوحيد صفوفها في تنظيم إسلامي موحد بغية تعزيز مكانة تلك القوى في المعادلة السورية لقوى المعارضة.

ليس هناك أحد يهمه انتصار الثورة على نظام الطاغية المجرم يمكن أن يقف ضد وحدة هذه الكتائب، بل كنا نطالب به دوما لاسيما عندما كان النظام يستفرد بتلك الكتائب في مناطق الغوطة ويحقق تقدما ملحوظا على حسابها في المناطق التي كانت تسيطر عليها، لكن هذا الخطر لم يدفع بتلك الكتائب إلى توحيد فصائلها لتدعيم موقفها العسكري على الأرض، ووقف تقدم قوات النظام في تلك المناطق، أو على الأقل فك حصارها عن مناطق الغوطة وجنوب دمشق التي يعاني فيها الأهالي من خطر الموت جوعا إن لم يموتوا من خلال القصف اليومي بكل صنوف الأسلحة لمناطقهم.

المفارقة التي ينطوي عليها موقف هذه الكتائب تعكس خللا موجودا داخل صفوف قوى الثورة تتمثل في تباين الأهداف والأجندة الخاصة لتلك القوى حيال مستقبل سوريا بعد سقوط نظام الأسد، وهو ما انعكس سلبا على الموقف الدولي الداعم للثورة وساهم إلى حد ملحوظ في تردد المجتمع الدولي في دعمه للمعارضة السورية نتيجة تشرذم قوى الثورة وتعدد أجندتها ومشاريعها وارتباطاتها الإقليمية.

لم يكن ممكنا في السابق- رغم كل الدعوات والمحاولات والمناشدات المختلفة من قوى الثورة المخلصة- تحقيق وحدة هذا العدد الكبير من الكتائب والقوى الجهادية، لولا وجود جهة مؤثرة وقوية تدعم تلك الكتائب وتمدها بكل أشكال الدعم المالي والعسكري.

وبقدر ما يكشف ذلك عن دور تلك القوى والجماعات في زيادة حالة الانقسام داخل صفوف قوى الثورة الفاعلة على الأرض، فإنه يكشف أيضا عن حالة الاختراق القائمة داخل صفوف تلك القوى المقاتلة، تعززه النزعات الفردية لقادة تلك الكتائب في تكريس زعامتها ودورها على حساب مصلحة الثورة، ما ساهم إلى حد بعيد في إطالة عمر النظام وقدرته على استعادة زمام المبادرة العسكرية بعد الدعم الذي تلقاه من القوى الشيعية الحليفة له في لبنان وإيران والعراق، في الوقت الذي تعمق فيه المأزق الذي باتت تواجهه الثورة على صعيد بلورة رؤية وطنية مشتركة سواء فيما يتعلق بمستقبل سوريا ووحدة أراضيها وشعبها، أو تشكيل جيش بديل قادر على تعزيز انتصارات المعارضة على الأرض، بحيث يقوي ذلك موقع المعارضة السورية في أي مفاوضات ممكنة في المستقبل للخلاص من نظام القتل والإجرام الذي يعمل جاهدا على تعزيز دوره وإطالة أمد حكمه بعد الاتفاق الروسي الأميركي لتدمير سلاح إجرامه الكيماوي، والذي جعل منه طرفا في هذا الاتفاق تتوجب عليه مسؤوليات دولية يبدو أنه جاد في تأكيد التزامه بها لنيل رضى تلك القوى الدولية لتعزيز موقعه، مقابل حالة الانقسام والتشدد الإسلامي التي باتت تسم المشهد السوري المعارض، وتولد الكثير من المرارة والغضب عند السوريين التوّاقين إلى الحرية والخلاص.

كاتب سوري

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر