الخميس 27 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10615

الخميس 27 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10615

'عصر الفتن'.. معالم في الطريق إلى الدم

أتساءل عن سر غلظة دينية وإنسانية تعمي البصائر عن اعتبار حد الردة 'جريمة'، واعتداء على حق الإنسان في الاختيار، 'فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر'.

العرب سعد القرش [نُشر في 2015/07/21، العدد: 9983، ص(8)]

تكفي زيارة قصيرة إلى البلد، وتصفح كتب الماضي ببعض التدبر، لأشعر بأنني عشت مئة عام، أغلبها في دوائر شك لا تنتهي. الماضي هنا لا يعني أنها كتب صفراء وإن كان بعضها كذلك، ولكنه ماض شخصي جدا، لو امتد على استقامته لأثمر جرائم تنطلق من الأفكار. تصبح كل زيارة في الأعياد مثلا مناسبة لتقليب الأوراق والأفكار، حين كان عليّ احتمال وطأة ثلاثة أحاديث؛ “بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي”، و“من مات وليس فى عنقه بيعة، مات ميتة الجاهلية”، و“من لم يغز، أو تحدثه نفسه بالغزو، مات ميتة جاهلية أو على شعبة من نفاق”. وجاء اغتيال السادات “قصاصا” لم ننل شرف تنفيذه، وحسدنا الذين قتلوا “الطاغوت”، وخلصوا الإسلام منه، تمهيدا لإقامة الخلافة.

من المكتبة ألتقط إحدى نسختي “طريق الهجرتين وباب السعادتين”، (طبعة عام 1400 هجرية)، تأليف الإمام شمس الدين محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، أحببته زمنا لنزعته الصوفية، فنحن مسافرون، ومدة السفر هي الأعمار، تليها إحدى الدارين. لا حب مع خشونة تكتشفها في إعادة القراءة، حين يصف الآخرين بأنهم “طبقة المقلدين وجهال الكفرة وأتباعهم وحميرهم”، أما اللغو الخاص بمصائر أطفال المشركين يوم القيامة فيزيد على ثلاث عشرة صفحة في كتاب ابن القيم الذي يحمل مع أستاذه ابن تيمية لقب “شيخ الإسلام”.

ابن تيمية وابن القيم كلاهما يحمل لقب “الإمام”، وقد انشغل “الإمام” بأطفال المشركين قائلا إن مصيرهم النار، وقيل الجنة، وقيل إنهم في منزلة بين الجنة والنار، “فإنهم ليس لهم إيمان يدخلون به الجنة ولا لآبائهم فوز يلحق بهم أطفالهم… وليس لهم من الأعمال ما يستحقون به دخول النار”، وقيل إنهم سيكونون “خدم أهل الجنة ومماليكهم، وهم معهم بمنزلة أرقائهم ومماليكهم في الدنيا”، وقيل إن “حكمهم حكم آبائهم في الدنيا والآخرة”، وإنهم “يمتحنون في عرصات الجنة، ويرسل إليهم هناك رسول وإلى كل من تبلغه الدعوة، فمن أطاع الرسول دخل الجنة ومن عصاه أدخله النار”، “وقد حكى بعض أهل المقالات عن عامر بن الأشرس أنه ذهب إلى أن الأطفال يصيرون في يوم القيامة ترابا”.

هكذا تكون هموم “الإمام” في عصر الفتن، وفي عصر الفتنة الحالي أنفض يدي منه إلى كتاب “فتاوى وأقضية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه”، جمعها وحققها وعلق عليها محمد عبدالعزيز الهلاوي، (طبعة عام 1985)، وتعهد بتوزيع الكتاب ستة وكلاء بالحجاز والمغرب والإمارات والبحرين، فكم طبعة وزعت في هذه البلاد، وقرأها شبان في سني آنذاك، وأرادوا التقرب إلى الله بما قضى به عمر، فإذا كانت فتوى عمر عبدالرحمن دفعت شابين، عام 1992، إلى قتل فرج فودة، فهل يتردد شاب في تنفيذ فتوى لعمر بن الخطاب؟

يسجل المؤلف تحت عنوان “المرتد” أن أحدهم أبلغ عمر بكفر رجل بعد إسلامه، فسأله عمر “فماذا فعلتم به؟ قال: قربناه فضربنا عنقه. فقال عمر: هلا حبستموه ثلاثا وأطعمتموه كل يوم رغيفا واستتبتموه لعله يتوب وراجع أمر الله”؟، وتبرأ عمر من دمه. ولكن الكتاب أورد ما قال إنه رواية لابن الحكم تتلخص في سؤال عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب عن رجل أسلم ثم كفر، ثم أسلم ثم كفر، فهل يقبل منه الإسلام؟ فكتب إليه عمر “أن أقبل الإسلام ما قبل الله منه… اعرض عليه الإسلام، فإن قبل فاتركه، وإلا فاضرب عنقه”، ثم يقطع المؤلف بجملة تصيب القارئ الطيب بالرهبة حين يقرأ أن “جمهور العلماء” يرى أن يكرر التوجيه للمرتد، وأن يناقش في ما ذهب إليه من “إلحاد وكفر حتى يغلب على الظن أنه لا أمل في رجوعه إلى الإسلام، فعندئذ يقام عليه الحد”، وهنا يحيلنا المؤلف إلى كتاب “فقه السنة” للسيد سابق.

في صباي كانت مجلدات “فقه السنة” تالية للمصحف في مكتبات نسعى إلى تكوينها. “فقه السنة” الذي ربما لا يخلو منه بيت، تتصدره الآية القرآنية “وما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا”. أرجع إلى المجلد الثاني فتفاجئني نزعة عنصرية استعلائية، وأراها ضارة نافعة، فلا يرى السيد سابق أزمة في أن يترك غير المسلم دينه، واعتناق غيره “من الأديان الكافرة.. الكافر إذا انتقل من دينه إلى دين آخر من أديان الكفر فإنه يقر على دينه الذي انتقل إليه ولا يتعرض له لأنه انتقل من دين باطل إلى دين يماثله في البطلان، والكفر كله ملة واحدة، بخلاف ما إذا انتقل من الإسلام إلى غيره من الأديان، فإنه انتقال من الهدى ودين الحق إلى الضلال والكفر”، ويورد الشيخ ثمانية أمثلة “دالة على الكفر”، منها “تحريم الطيبات”، وسب الدين.

أما من يرى أمثال السيد سابق وعمر عبدالرحمن أنه مرتد، فهو “مستحق للقتل”، لا يرث، وتنقطع علاقته بزوجته، ويتم التفريق بينهما، ويفقد الأهلية بما فيها سقوط حقه في تزويج بناته.

السيد سابق كرر في ثلاث عشرة صفحة خصصها لحد الردة أن المرتد “مستحق للقتل”، ربما ضمانا لتعميم الفائدة، فإذا فات القارئ العجول قطع “الشيخ” بأن فلانا قد ارتد، وأنه “مستحق للقتل” في صفحة، فسيجد الحكم في صفحات تالية يورد فيها تأويلا لآية “ومن يرتدد منكم عن دينه، فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة، وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون”، قائلا إن عقوبته “هي القتل”، وهو ما لم تشر إليه الآية.

أتساءل عن سر غلظة دينية وإنسانية تعمي البصائر عن اعتبار حد الردة “جريمة”، واعتداء على حق الإنسان في الاختيار، “فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر”، وتجاهل آيات ترجئ الحكم على المرتد يوم القيامة.

أما الأكثر خطورة فهو قول السيد سابق إن المتهم بالردة “لو قتله مسلم من المسلمين لا يعتبر مرتكبا جريمة القتل، ولكن يعزر لافتئاته على الحاكم”. وهذا مدخل كارثي إلى الجحيم، ولم يكن مفاجئا أن يقول محمد الغزالي في المحكمة إن فرج فودة “كافر ومرتد… ويجوز أن يقوم أفراد الأمة بإقامة الحدود عند تعطيلها… وليست عليه عقوبة”، فأي عبث في لوم الضحية؟

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر