الجمعة 26 مايو/ايار 2017، العدد: 10644

الجمعة 26 مايو/ايار 2017، العدد: 10644

الرواية الواقعية

الرواية العربية بسبب طبيعة انشغالاتها، المحكومة بوعي الروائي العربي وهواجسه الفكرية والسياسية والاجتماعية ظلت وفية للاتجاه الواقعي في الغالب.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2015/07/21، العدد: 9983، ص(15)]

أثبتت الرواية الواقعية أنها الاتجاه الجمالي الأكثر ديمومة وانفتاحا على التجدد والتطور طوال ما يزيد على ثلاثة قرون من تاريخها الحافل. قابلية هذه الرواية للتطور من داخل فضائها السردي والحكائي بنية وتقنيات ومنظورا سرديا، هو الذي منحها هذه القدرة على الاستمرارية والتجدد، عبر هذا التعاقب الذي عرفته، من الواقعية الطبيعية إلى الواقعية الاجتماعية والواقعية الاشتراكية، وصولا إلى الواقعية السحرية، التي تعدّ الإضافة المهمة التي جاءت من خارج حدود القارة الأوروبية.

خلال هذه العقود ظهرت موجات أخرى من الرواية العالمية كرواية تيار الوعي والرواية البوليسية والرواية الجديدة، لكنها جميعا رغم المنجز الهام الذي قدمته لم تستطع أن تحافظ على ديمومة حضورها، لعدم امتلاك بنيتها بمحدداتها الفنية والسردية إمكانية تطوير وتجاوز هذا المنجز، على خلاف الرواية الواقعية التي ظلت تواصل حضورها في المشهد الروائي العالمي، نظرا لغنى الواقع وتعدد أشكال تمثله سرديا وجماليا، في إطار هذه العلاقة التي يتبادل فيها الواقعي والمتخيل إثراء هذه التجربة وأشكال مقاربتها.

روائيون كثر وروايات خالدة كثيرة عرفها تاريخ هذه الرواية، وتعرف القارئ من خلالها إلى شخصيات أبطال كثيرة، كانت تمثلا وتمثيلا لحيوات وعوالم وحالات ومواقف شكلت جزءا هاما من الذاكرة الثقافية والوجدانية للقارئ، أثرت نفسه وروحه، وأضاءت على جوانب واسعة من الواقع والذات الإنسانية في ضعفها وقوتها، تشتتها وتوحدها في مواجهة شرطها الوجودي والاجتماعي والسياسي والروحي، في إطار وعيها لذاتها وللعالم من حولها.

هذه الشخصيات الورقية بقدر ما كانت تحيل على الحياة، وتتمثل حيواتها وصراع كائناتها البشرية وأحلامها في صعودها وهبوطها، فقد استطاعت أن تترك أثرها العميق في وجدان ووعي القارئ، الذي وجد فيها شيئا من ذاته، أو ذوات من هم حوله، إضافة إلى متعة السرد وقدرته على تحقيق فتنته. تحيل الرواية الواقعية على الواقع، لكنها لا تتحدد به، لأن مخيلة الروائي ولغته وقدرته على تنويع وتطوير أساليب السرد وأشكاله هي التي تجعل الكتابة رواية، بوصفها أشكالا مختلفة من الوعي الاجتماعي والثقافي، إذ تعيد تمثيل الواقع جماليا، وفقا لرؤية الكاتب وطبيعة وعيه وغنى تجربته.

الرواية العربية بسبب طبيعة انشغالاتها، المحكومة بوعي الروائي العربي وهواجسه الفكرية والسياسية والاجتماعية ظلت وفية للاتجاه الواقعي في الغالب، لكنها لم تستطع أن تكسر حواف بنيته الكلاسيكية إلا في حدود ضيقة. هذه الرواية كانت ومازالت تواجه سؤال الهوية والبحث عن البديل السردي، الذي يخلصها من حيرتها وقلقها الإبداعي، الذي ينقلها من مرحلة التأثر إلى مرحلة التجديد والإبداع والإضافة.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر