الاربعاء 21 فبراير/شباط 2018، العدد: 10907

الاربعاء 21 فبراير/شباط 2018، العدد: 10907

ظاهرة جامعية جزائرية جديرة بالتأمل

لماذا يتخلى جيل الجامعيين الشبان عندنا عن البحث في المشكلات الفكرية والثقافية والاجتماعية، وغيرها من المشكلات الخطرة التي تعاني منها مجتمعاتنا.

العرب أزراج عمر [نُشر في 2015/07/24، العدد: 9986، ص(15)]

منذ يومين استوقفتني طالبتان جزائريتان تزاولان الدراسات العليا بجامعة تيزي وزو الجزائرية، وطلبتا مني مساعدتهما للحصول على مراجع خاصة بالبحث الذي تشتركان في إنجازه وهو حول موضوع “الاغتراب” في فكر المفكر الألماني يورغن هابرماس، وقبل ثلاثة أشهر قصدني طالب دكتوراه آخر بالجامعة نفسها وحدثني عن بعض المشكلات التي تعرقله وهو يبحث في مفهوم “الخرق” عند ميشال فوكو.

في الواقع فقد التقيت كثيرا في الماضي القريب والبعيد بهذا الصنف من الباحثين والباحثات الجامعيين الجزائريين الكثيرين الذين أنجزوا عددا ضخما من أطروحات الماجستير والدكتوراه حول أعمال مفكرين غربيين دون أن يضيفوا شيئا يذكر إلى أبجديات ما هو معروف ومتداول عن هؤلاء، كما أن هذه الأطروحات ترمى في ظلام النسيان بمجرد مناقشتها وحصول أصحابها على الشهادات والوظيفة.

لاشك أن البحث الجامعي في الفكر الغربي أو في أي فكر أجنبي أمر مشروع وحيوي من أجل الاستفادة من الأفكار الجديدة ذات الصلة بعملية البناء الثقافي والفكري والاجتماعي والسياسي والاقتصادي والعلمي في مجتمعاتنا، ولكن هناك فرقا كبيرا بين البحث الجامعي كحاجة وطنية وبين مجرد عرض وترديد لأفكار قد استهلكت حتى في عقر دارها.

وهنا تساءلت: كيف يمكن تفسير هذه الهجرة الجماعية لباحثينا الجامعيين إلى النصوص الغربية التي تعالج مشكلات خاصة جدا بمجتمعات متطورة ما بعد صناعية، وما بعد رأسمالية، وما بعد تقنية، في الوقت الذي نجد فيه مجتمعاتنا لا تزال هوياتها الثقافية متجاهلة ومجهولة، ولم تخرج إلى يومنا هذا عمّا حول البداوة والتخلف والأمية وحروب الطوائف والإثنيات، ولماذا يتخلى جيل الجامعيين الشبان عندنا عن البحث في المشكلات الفكرية، والثقافية، والاجتماعية، وغيرها من المشكلات الخطرة التي تعاني منها مجتمعاتنا وخاصة تلك المرتبطة بالتنمية بكل أشكالها، وبالحريات والديمقراطية، وبتنظيم المجتمع، وببناء العقل العلمي؟

ثم لماذا يتواطأ المؤطرون والمشرفون على البحث العلمي الجامعي عندنا مع هذا النوع من الباحثين الناشئين، الذين تغريهم أسماء المفكرين الرنانة، وينساقون وراء بريق الشهرة؟ إن هذه المشكلة ليست وحدها التي تعصف بالبحث الجامعي في المنظومة التعليمية الجامعية الجزائرية، بل هناك أيضا آفة أخرى وهي آفة ما يدعى بمخابر البحث التي تصرف عليها مئات ملايين الدينارات والتي لم تفلح في تشكيل فضاء الإبداع البحثي، بل إنها قد حوّلت إلى مواقع للصراعات الشللية.

كاتب من الجزائر مقيم بلندن

أزراج عمر

:: مقالات أخرى لـ أزراج عمر

:: اختيارات المحرر