الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

صليحة وأوباما وستيوارت

صليحة وأوباما و”…أخت فرنسا”، ستيوارت وفلاسفة قم النوويون والعجلات التي تدور على الأرض الصقيعية، وأمهات العباءات السود المتناثرات في البرية، عالم الإنسان متعدّد الوجوه الذي يسخر من نفسه كل يوم.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2015/07/24، العدد: 9986، ص(24)]

“صحيح أن الإيرانيين ضد أميركا، ضد إسرائيل، ضد السامية، ويدعمون منظمات إرهابية مثل حزب الله، لكنك لا تعقد اتفاق سلام مع أصدقائك” هكذا قال أوباما ضاحكا لجون سيتوارت في أحدث ظهور له للترويج إلى الاتفاق النووي، عبر أكبر البرامج الأميركية الساخرة، وكان ستيوارت سريع الجواب دون أن يتمكن من كتم ضحكاته “صحيح السيد الرئيس، حزب الله يبدو شريكا جيّدا للسلام”.

في الرابعة والنصف صباحا، الطريق إلى معلّم الرياضيات ذي الاسم الخماسي الطويل، وجدته الأرمنية، في مدينة يتنفّس نهرها بخارها اليوميّ من أشجاره الفضية، في رحيله الأزلي إلى الشرق، تمر بالحارات والبيوت، تظهر لك أشباح المدينة التي لم تنم بعد، ليعبر ضباب الفجر الرمادي أمامك، جاسوسٌ فرنسي عجوز، كان جيش الاحتلال قد غادر وتركه لقمة سائغة في يد الناس، الذين جعلوا منه عبرة دون أن ينتقموا منه أو يمسّوه بسوء، اكتفوا بشتم فرنسا أمامه كلما رأوه، حتى أصبح اسمه “…أخت فرنسا” هائما على وجهه، بعد أن جنّن الناس من جنّنهم ليجننهم غيره بعد حين.

عجلتا دراجتي الهوائية تذرعان المنحدرات، عبر الشوارع الصقيعية، فكل الأوقات حينها كانت “مربعانية”، والبرد في كل تفصيل، تعلو أصوات “صليحة” العجوز التي تبيع خبز التنور على قارعة الطريق، وهي التي خلقها الله محيّرة بين رجل وامرأة، فكانت صالح وصليحة معا، لتكون على صورة زمنها وزمننا، شخصيتين، واحدة للخبز، والثانية تندب الموتى بالأجرة نهارا في المقابر، مرددة أبيات الشعر الشعبي القديم المغرقة في الحزن، رغم أنه كان صنعة ولم يكن حقيقيا بالنسبة إليها، “عطلان ياموس المزيّن، عالشاربو توّو مبيّن، بالعجل يا عيني رحلتمْ، لا طاحْ شيبٍ ولا كبرتمْ، حِطي هدومي بالمخدّة، يمكن يا يُمّه تكون لي ردّة”. كان صليحة يعبث بجوارح النسوة بالشعر، وكلما هدأت واحدة منهن، يشعلها صليحة من جديد بصور وموسيقى جديدة، من أجل بعض القروش أو طبخة من طعام الأمس.

سأل ستيوارت أوباما “إلى أي فريق ننتمي نحن في الشرق الأوسط؟ لأنني أعرف أننا في العراق نحارب مع العراقيين لهزيمة داعش، بالتعاون مع إيران، ولكننا في اليمن نحن نحارب إيران بالتعاون مع السعودية؟ حسنا، من الذي نقصفه حاليا في الشرق الأوسط؟”، لتعود شخصية صليحة مع نبرة أوباما في الندب على العالم، وتهييج المخاطر والأزمات، بذرائع مختلفة، باتت مكشوفة للجميع، باستثناء من يريد الوقوع فيها عمدا، فمرة القاعدة، ومرة داعش، وقبلهما الخطر الشيوعي، وبينهما الخطر القومي العربي وحماية الأقليات، وهكذا، لكن العبث في الاستراتيجيا بغض النظر عن اختلاف المفاهيم، سيكون مثل لعبة الخيميائي، التي لا يُعرف لها نتيجة، فلا يمكنك خلط المواد المتفجّرة مع بعضها البعض، دون أن تتوقع انفجارات هنا أو هناك، حين يصبح “شعار الموت لأميركا” متجاورا مع شعار “أميركا حارسة الديمقراطية في العالم”.

صليحة وأوباما و”…أخت فرنسا”، ستيوارت وفلاسفة قم النوويون والعجلات التي تدور على الأرض الصقيعية، وأمهات العباءات السود المتناثرات في البرية، عالم الإنسان متعدّد الوجوه الذي يسخر من نفسه كل يوم.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر