الاربعاء 28 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10675

الاربعاء 28 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10675

داعش وتركيا ولعبة إبليس

داعش استبق الانقلاب الأردوغاني بانقلاب ناري تفجيري، وتلك هي طبيعة الرباط بين الإخوان في الدعوة على أبواب جهنم.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2015/07/25، العدد: 9987، ص(8)]

يوما بعد يوم تزداد الهوّة السياسية والرمزية بين نموذج الحكم المسوّق له في تركيا وبين مسلكية القيادة والرئاسة لدى أردوغان وصحبه. وعلى الرغم من تتالي النكسات والسقطات السياسيّة والاقتصادية والاستراتيجية إلا أنّ قادة حزب العدالة والتنمية لا يزالون يكابرون عن استحقاق “النقد الذاتي” بعد أن أخذتهم العزة بالإثم السياسي بعيدا عن العقل والمنطق.

عودة حزب العمال الكردستاني إلى العمليات المسلحة في تركيا بعد مجزرة سروج على الحدود التركية السورية تشير إلى انتكاسة قوية في ملفّ حيوي كثيرا ما روّج له أردوغان على أنّه “ملفّ المصالحة التاريخية” بين تركيا والأكراد بعد أن تراءى له أنّ امتلاك “عقل” القيادي الكردي عبدالله أوجلان السجين وإقناعه بالصفقة التاريخية مع أنقرة يفضي آليا وعضويا إلى “امتلاك” وجدان أكراد شرق الأناضول وقد يقضي بإخماد انتفاضة مسلحة بدأت منذ 1984 ولا تزال مستمرة إلى اليوم.

لم يفكّ أردوغان وصحبه بعد طلاسم رسالة الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي أعطت لحزب الشعوب الديمقراطي الكردي الأسبقية والأولوية في السباق الانتخابي في معظم المناطق الكرديّة.

عودة حزب العمال الكردستاني للسلاح تتنزّل في سياقين اثنين، أولهما إطلاق رصاصة الرحمة على مسار تصالحي بين العمال الكردستاني والمخابرات التركيّة، وثانيهما إعلان التعبئة والاستنفار ضدّ سياسة التحالف التركي مع داعش والنصرة التي أفضت لا فقط إلى مجازر بشعة في عين العرب-كوباني وإنّما باتت تهدّد “الكيان الكرديّ” – بالمفهوم الانثروبولوجي للمصطلح وليس السياسيّ- وهو ما دعا الأكراد إلى إعلان القطيعة النهائية مع أردوغان وأتباعه.

في “لعبة إبليس” بين أردوغان وداعش، أكثر من ورقة سياسية ميدانية تبدأ من العبث بمقومات الدولة السورية ولا تنتهي عند قطع أواصر الامتداد القومي الكردي من خلال خلق كنتونات طائفية داعشية ترفض الآخر وبالتالي إدخال حزب العمال الكردستاني في حرب وجود ثانية لا تقل عن الأولى القائمة منذ أكثر من ثلاثة عقود.

وفي الحالتين خسرت تركيا الرهان، فلا داعش والنصرة تمكنا من بسط السيطرة على كامل الشمال السوري بعد أن باتا في العقل والوجدان السوريين “بديلين تعيسين” لواقع مأزوم، ولا العمال الكردستاني استبدل “حرب الوجود” مع أنقرة بحرب “حدود ووجود” مع داعش، بل على العكس استمدّ الكردستاني من الواقع السوري شرعيّة تمدّد خارج الفضاء التركي وباتت “فكرة الكيان الكردي” – تحت عنوان الحكم الذاتي الموسع- تلقى قبولا وتأييدا من كافة الدول ماعدا تركيا وإيران.

الأخطر من كل ما سبق متمثل في “انقلاب” إبليس على صاحبه في لعبة الشيطان، فداعش الذي كان يهدّم كلّ الصوامع والمزارات الدينية دون أن يمس حجرا من مقام سليمان باشا في الرقة أصبح اليوم يصوّب فوهات بنادقه إلى الصدر التركي، وهي نتيجة منطقيّة لكلّ من توهّم يوما أنّه في حلّ من الإرهاب ومن ناره بعد أن عمدت أصابعه إلى اللعب بفتيل الأوار ردحا من الزمان.

كل من تحالف مع أردوغان، واحد من اثنين منقلِب أو منقلَب عليه، من القيادة السورية إلى الحكومة الليبية السابقة ومن فتح الله غولن إلى عبدالله غول، ومن نجم الدين أربكان إلى علي باباجان، وصولا إلى داعش وباقي الفصائل التكفيرية الأخرى، ويبدو أنّ داعش وحده استبق الانقلاب الأردوغاني بانقلاب ناري تفجيري، وتلك هي طبيعة الرباط بين الإخوان في الدعوة على أبواب جهنّم.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر