الاربعاء 16 اغسطس/اب 2017، العدد: 10724

الاربعاء 16 اغسطس/اب 2017، العدد: 10724

عن 'كردستاني' ما بعد 'أوجلان'

الجبهة الكردية أصبحت اليوم منتشرة في العراق وسوريا وتركيا وباتت يداها أكثر قدرة على الفعل والضرب والاستهداف.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2015/07/27، العدد: 9989، ص(8)]

قليلة القراءات السياسية التي توقفت مليا، عند إعلان حزب العمال الكردستاني عن نهاية الهدنة المعلنة منذ 2012 مع المخابرات التركية، والتي أفضت إلى انسحاب مقاتلي الحزب من معاقلهم في تركيا نحو شمال العراق.

قليلة هي المتابعات والمقاربات التي انتبهت إلى أهميّة الخطوة الكرديّة في سياقها المحلي والإقليمي، وإلى دلالاتها الغزيرة من حيث أنّها تؤشر لبداية “كردستاني” ما بعد عبدالله أوجلان.

ذلك أنّ تأكيد حزب العمّال الكردستاني نهاية الهدنة السارية منذ 2012 يعني في جوهره وضع نهاية لمسار تصالحي خطّه زعيمه عبدالله أوجلان وارتضاه الأخير كنهاية لمكاسرة “تركية كردية” اشتعلت في 1984، ما يعني أنّ العمّال الكردستاني دشّن مرحلة ما بعد أوجلان من حيث الإيمان بالعمل المسلح كسبيل لتحقيق المتطلبات والحقوق الإثنية والقومية الكرديّة.

والحقيقة أنّ التباين بين عبدالله أوجلان والقيادات العسكرية الكردستانية تجلّى في الامتعاض الذي أبداه الجسم العسكريّ الكردستانيّ لجوهر الصفقة المبرمة بين أوجلان والمخابرات التركية، والقاضية بتسليم الأسلحة والانسحاب من كامل القواعد العسكرية في شرق تركيا في مقابل “إقرارات” و“إصلاحات” تركية شكلية بالحقوق التركيّة.

التبرم الكردستاني من أوجلان تجسّد أكثر في اتهام بعض الأطراف من “حزب العمال الكردستاني” لأوجلان بالبحث عن مجد تاريخي قرين بمجد نيلسون مانديلا على حساب تاريخ القضية الكرديّة. بين زعيم سياسي يبحث عن “الاعتبار التاريخي”، وبين قضيّة سياسية لا تزال تبحث عن تحقيق الحدّ الأدنى من الحقوق، ضاعت أكثر من شخصية سياسية بين “الأنانية” البراغماتية وبين ضرورات الالتزام الثوريّ.

لعلنا لا نجانب الصواب إن اعتبرنا أنّ أوجلان اليوم شبيه بياسر عرفات “أبو عمّار” ما بعد اتفاقيات أوسلو في سبتمبر 1993، حيث صار رئيسا بلا رئاسة وخلع على نفسه ثوب الثوريّ لثورة لم تحقّق من استحقاقاتها الوطنية والنضالية شيئا، على الرغم من فداحة الثمن المدفوع بشريا ورمزيا وتاريخيا.

لدى قيادات “الكردستاني” الشجاعة على النظر إلى ما بعد “نظرة” عبدالله أوجلان للقضية ولمستقبلها أيضا، حيث أدركت، هذه القيادات، أنّ الهرولة وراء اتفاق مصالحة وفق المصلحة التركيّة لن تفضي إلى أي نتيجة سيما وأنّ السعي التركي لإقامة منطقة عازلة شمال سوريا وإنّما يعني في المحصلة تطويق “الكردستاني” السوريّ ومنعه من التواصل الجغرافي والعسكريّ مع “الكردستاني” العراقي والتركي، خاصّة وأن التواجد الرسمي السوري في تلك المناطق بات شبه معدوم.

وكلها مقدمات تؤكد أن “المنطقة العازلة”، في حال إقامتها، تستهدف في المقام الأوّل تحجيم دول الأكراد في سوريا وتسعى إلى ضرب “المكوّن الثالث” للكيان الكردي المتمثل في المكون السوري.

أدرك “الكردستاني” أنّ الصفقة التاريخية لم تنضج شروطها بعد، ولم تثمر عقود الصراع الكردي التركي فاعلا سياسيا تركيا قادرا على صنع “سلام الشجعان”، وأنّ الإبقاء على معادلة “لاحرب لا سلام” شجعت القيادات التركية على المضيّ قدما في حربها ضدّ الحزب ومناضليه بل وحتّى استهداف معاقل الكردستاني في شمال العراق.

كلّ التسويات التي بدأتها الحكومة التركية مستهل الألفية الثالثة سقطت في الماء، ابتداء من التسوية مع الأرمن، مجزرة القرن، إلى التسوية مع سوريا، لواء الاسكندرون، ومن قبرص، إشكالية الجزر المتنازع عليها، وليس انتهاء بالقضية الكرديّة، وكلّها انتكاسات تدلّ على انعدام وجود عقل انفتاحي تصالحيّ في أنقرة فليس من المعقول والمنطقي أن نتهم كلّ من سبق بـ“المكابرة” على الحقّ.

وحيال هذا الانسداد من المنتظر أن تشتعل الجبهة الكردية التركية مجددا بعد سكوت للمدافع لأكثر من ثلاث سنوات، ولكن اليوم الجبهة الكردية أصبحت منتشرة في العراق وسوريا وتركيا وباتت يداها أكثر قدرة على الفعل والضرب والاستهداف، كما أنّ لتركيا اليوم وكلاء من “إخوان التكفير والهجرة” قادرين هم أيضا على أداء دور الوكيل عن الأصيل وبالتالي فالمكاسرة ستكون على غير شاكلة سابقاتها، ولكن الأكيد أن حزب العمال الكردستاني سيخوضها بتفكير وأداء ومسلكيّة ما بعد عبدالله أوجلان.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر