الخميس 27 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10615

الخميس 27 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10615

الخوف من العقل يهزم الثورة والدولة مرتين

قوى اليمين بجناحيه هزمت الثورة، منذ رفض مرشحو اليسار الأربعة: أبوالعز الحريري، وحمدين صباحي، وهشام البسطويسي، وخالد علي، في انتخابات 2012، التنازل لأحدهم.

العرب سعد القرش [نُشر في 2015/07/28، العدد: 9990، ص(9)]

باسم “الدين” بدأ محمد مرسي خطابه في الأمم المتحدة، (سبتمبر 2012)، بحمد الله، “والصلاة والسلام على رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم الذي نحبه ونتبعه، والذي نحترم من يحترمه، ونعادي من يمسه بسوء من قول أو عمل، صلوات ربي وتسليماته عليه الذي وصفه في قرآنه العظيم فقال: وإنك لعلى خلق عظيم. وقال عنه أيضا: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه، وعلى كل من سار على دربه واتبع هديه إلى يوم الدين”. وباسم “الدين” أيضا انشغل الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في ليلة القدر (يوليو 2015)، بشرح أبعاد قضية الإلحاد، تهويلا وتهوينا، وقال كلاما كثيرا لا لزوم له.

كلا الرجلين، في هذا السياق، كان وعيه بمفهوم “الدولة” دون وعي عبدالمطلب، ذلك الرجل الأمي الذي شغلته استعادة غنمه ورعايتها، عن التصدي لجيش أبرهة صاحب الفيل، والدفاع عن الكعبة، ربما لأن المواجهة محسومة، أقرب إلى مقامرة، حتى أن الأشرم أدهشه سلوك عبدالمطلب، وسأله “سألتني مالك، ولم تسألني عن الرجوع عن قصد البيت (الحرام) مع أنه شرفكم. فقال: للبيت رب يحميه”. ولكن كلا الرجلين، مرسي والسيسي، لا يعيان أن “هذا الدين متين”، بنص الحديث، ولا يسوءه أن يقول فيه من يشاء من غير المؤمنين به ما يشاء؛ فلم يأمر القرآن إلا بقول الحسنى، والنهي عن سب الذين كفروا. كما لا يضر الإسلام أن يرتد عنه مليون مصري، إلحادا أو انتقالا إلى دين آخر، وهي قضية يجب أن تشغل باحثين في علوم النفس والاجتماع والأديان المقارنة، ولا يصح أن ينشغل بها رئيس، إلا إذا كان غير واع بدور “الدولة” في توفير الحماية لمواطنيها، في معادلة ثنائية بسيطة: الحرية والخبز.

قبل “الدولة”، في عصور حكم العشائر أو الكنيسة الأعلى من سلطة الملك، كان الإلحاد، اتهاما وتبرئة وعقابا، إحدى مهن رجال الدين، وجزءا من مهنة الحاكم المتواطئ معهم، مع رجال الدين لا الملحدين بالطبع، لضمان بقائه في الحكم. ثم نما الوعي البشري، عبر ثورات سما شهداؤها على الأديان والأعراق، وأثمرت مواثيق حقوق الإنسان العالمية، نجاح لم يحققه المتحدثون باسم الأديان الإبراهيمية، وأصبح للدولة دين إنساني اسمه “المواطنة”، ولم يعد من مهامها أن تحشد الناس إلى الجنة، وإنما تيسير شؤون الحياة، وتحقيق العدل والكرامة للبشر الذين كرمهم الله وفضلهم على كثير ممن خلق. بغير الخير والعدل والكرامة لن توجد دولة تقام فيها شعائر الدين، أي دين.

في أوروبا والدول المتقدمة، ملاذ ضحايا العالم “الإسلامي” ممن تطاردهم تهمة قول: ربنا الله، لن يسألك أحد عن دينك أو مذهبك، سيؤمن لك الحماية لكي تؤدي شعائر دينك مطمئنا، وستؤهلك كفاءتك لتصبح وزيرا ولو من أصل عربي، لا خوف عليك أو منك في بلاد دينها القانون، جاذبة لمواهب تضيق بها بلاد يقول دستورها في المادة الثانية “الإسلام دين الدولة.. ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع”.

لا معنى لمادة أخرى في الدستور المصري نفسه تحظر “قيام أحزاب سياسية على أساس ديني”، وأي تصريح لأي مسؤول في أي موقع يتسامح مع مادة عنصرية في الدستور هو رياء ديني، ونفاق سياسي، ومجرد “أكل عيشْ” لرجال دين وساسة يداعبان العواطف الدينية للشعب، لضمان تحالفهما لمصادرة الحرية. بعد أيام من “كلام” السيسي عن الإلحاد، زايَدَ ممثلو اليمين الديني على رئيس الدولة، وتجاهلوا قوانين تصادر الحريات، وقال يونس مخيون إن السلفيين يسعون لتطبيق “الحدود”.

فوجئ اليمين الديني بعد ثورة يناير 2011 بأن الشعب يرفض نهجه الداعشي في مظاهر بسيطة لكنها دالة، منها هدم الأضرحة، وبدلا من أن يراجع جمود ثوابته، ويتعرف على الروح المصرية في تراكم طبقاتها الحضارية، بقراءة الأمثال الشعبية، وألف ليلة، والسير الشعبية، وصولا إلى شكاوى الفلاح الفصيح قبل أكثر من أربعة آلاف عام، أمطرنا اليمين الديني بفتاوى لا تنتمي إلينا، في إهدار واضح للسياق، ولم يعد يشغلهم إلا حثّ المسلم على إبداء كراهيته لزوجته المسيحية، وزواج الصغيرة قبل البلوغ، استنادا إلى إمام اسمه البغوي يستشهد به طبيب مشوه يدعى ياسر برهامي عضو الجمعية التأسيسية لدستور الإخوان.

حين يبدي مرسي استعداده لإعلان الحرب على العالم، ويستبدل السيسي بمشكلات أمنية واقتصادية معقدة قضية إلحاد الشباب، ستنتهي الأمور إلى استبداد يونس مخيون، فيقول في ما يشبه التحدي “لن تخرج تشريعات مخالفة للشريعة سواء حكم الإسلاميون أو غيرهم”، سيكون اليمين مسؤولا عن تعريف ما يسمى الشريعة.

وسيقول يسري حماد المتحدث باسم حزب النور “لا يجوز إنشاء حزب يضيع هوية الشعب المصري المعلومة بنص الدستور، أو يعمل على مناهضة هوية الدولة وثوابتها المجتمعية”، وهو كلام يختلف في الدرجة، لا النوع، عن تصريحات المفتي علي جمعة، في 17 يناير 2015، بأن علوم الغرب “بعيدة عن الله”، وأن من ينتقدون كتب التراث “تافهون… هدم كتاب التراث هدم للأمة”، ولكليهما من منطق تعس في بؤسه، يؤكد هشاشة الأمة، جاهلا بما تعرضت له البلاد منذ عصر الشهداء، دون أن يتنازل أحد عن دينه.

مرسي انفعل بالرسوم المسيئة، والسيسي وجد قضية تشغل الناس. إلهاء مزدوج من قوى خارجية تجيد إثارة غضب القرود، ومن استبداد يحكم بالمزايدة الدينية ليبدو أكثر غيرة على الله والوطن، فيضمن تأييد العامة وحشدهم ضد من يعترض أو يعتصم بالعقل في مواجهة خرافات رجال الدين والوطنية التي تمكن الاستبداد. قوى اليمين بجناحيه هزمت الثورة، منذ رفض مرشحو اليسار الأربعة: أبوالعز الحريري، وحمدين صباحي، وهشام البسطويسي، وخالد علي، في انتخابات الرئاسة 2012، التنازل لأحدهم. أخذتهم السلطة بالإثم فخسروا وهم يحسبون أنهم يحسنون ثورة.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر