الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

كوزموبوليتان ثمود

لا شيء يحدث اليوم بعيدا عن الدلالات والإشارات، عقل الإنسان هو الآخر لم يعد يحتمل كل ما يدور من حوله.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2015/07/31، العدد: 9993، ص(24)]

ما نزل المطر مرة، إلا وجاءني صوت السيّاب “عيناك غابتا نخيل ساعةَ السَحَر، أو شرفتان راح ينأى عنهما القمرْ”، لكن التوقيت غير مناسب الآن. فقد فشلت خطتي، قبل أيام، في أن يهرّب لي أحد ما طاب من التوابل والأعشاب من حي البزورية الشهير في دمشق، إلى شمال نهر الراين، فلم يعد من مجال الآن لشرائها سوى من السوق العربي هنا، وفي الطريق الممطر إليه، بدأ كمبيوتر السيارة بإرسال رسائل عجيبة متلاحقة، معلنا عن أعطال في كل الأمور، من نظام الحماية إلى المبرّد وغيره، وأخذت تتالى الرسائل حتى توقفت السيارة عن العمل تماما، تحت المطر.

مرّ قرب النافذة، ألماني يمارس رياضة الركض، توقف ليساعد، وأخذني إلى ورشة قريبة، فاضطررت للهرولة مثله، لأنه لم يتوقف عن أداء الحركات الرياضية طيلة الوقت، لنجد صاحب الورشة التركي الذي رفض المساعدة، فأعطاه الألماني محاضرة في ضرورة مؤازرة الأجانب من أمثاله.

عدت أدراجي، ورجوت سيارتي ألا تحوجني لمن لا خير فيه، فاستجابت وأوصلتني إلى مركز المدينة، لكنها عادت وتوقف في منتصف السوق، حينها جاء عجوز لبناني من مناصري حزب الله، ليساعد، وهو ممن نسميهم في الشام بـ”الحَوّيصَة” الذين يؤدون الخدمات بمقابل زهيد، علاوة على أنه من مشاهير حشاشي السوق، فقال على الفور: أعرف سبب العطل، قلت: وما هو؟ قال: السناجب، قلت مستغربا: السناجب! قال “نعم، إنها السناجب تدخل في المحرك وتبحث عن الأسلاك وتقرضها، فابتعد ودعني أبحث عن السنجاب لأخرجه من قلب المحرك فتدور السيارة”، وأخذ عصا رفيعة طويلة، وبدأ بالبحث والطقطقة.

بحث طويلا عن السنجاب، ثم قال أخيرا “السنجاب الملعون لا بد وأنه هرب”، وأضاف أنه عليّ الاتصال بالشركة المختصة لتأتي على الفور، فبقيت ساعات انتظر، وبين الوقت والآخر، كان يمرّ عليّ ليسمعني رأيه بما يحدث في سوريا، مؤكدا أن “السيّد حسن” هو رمز العفة والطهارة، بينما كان زملاؤه من أهل طرابلس، يشيرون إليّ من بعيد كي لا أرد، وكي أتفهّم تأثير الحشيش على الرجل.

أرسل الله لحظتها شخصا لم أعرفه من قبل، يتحدّث بعربية مكسّرة وقال “أنا مختص وأعرف ما هي المشكلة، إنه “غبار الطلع″، ينزل من الشجر وينحشر في المحرّك فيؤثر على ‘عقل’ السيارة”.

اقترب اللبناني أبو السناجب، وهمس لي “لا تثق به هو عراقي، وكردي كمان”، وهمس العراقي الكردي “هذا اللبناني “مو كويس”، خذ سيارتي وألحق بي، سأقود سيارتك”، وهكذا مشينا قافلة كوزموبوليتانية نحو المجهول، وحين وصلنا قال المعلّم الكردي “أنا هربت منذ عشرين عاما من الحرب التي دارت بين الطالباني والبارزاني، لكني سأصلح لك عقل السيارة وأحدّثك عن كردستان”، فدخلت في متاهة أخرى.

لا شيء يحدث اليوم بعيدا عن الدلالات والإشارات، عقل الإنسان هو الآخر لم يعد يحتمل كل ما يدور من حوله، تحت هذا المطر، وكما قال السياب في أنشودة المطر “لم تترك الرياحُ من ثمودْ، في الوادِ من أثرْ”.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر