الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

مولد البطل الشعبي: 'عبدالناصر صلاح الدين' نموذجا

بنظافة اليد، والعدالة الاجتماعية، ونشر التعليم، وتكافؤ الفرص، والإصرار على الاستقلال الوطني، اكتملت أسطورة عبدالناصر في الضمير العام.

العرب سعد القرش [نُشر في 2015/08/04، العدد: 9997، ص(9)]

في إصرارهم على اختلاق تاريخ مواز للتاريخ المصري، يدعي “اليهود” أن رمسيس الثاني فرعون الخروج. أقول: اليهود لا الصهاينة، نظرا للإيمان اليهودي السلفي بحرفية ما ذكره العهد القديم عن الخروج، وهي قصة قرآنية، ولكن الفرق حسمته آية “لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ”، إذ يقص على الناس “أحسن القصص”، بهدف العبرة لا التثبت التاريخي، حيث تخلو كل المصادر التاريخية والأثرية من أي إشارة إلى وجود بني إسرائيل في مصر، أو هروبهم منها، ومطاردة “فرعون”لهم. هذا “الفرعون” لا وجود له إلا في خيال اليهود، وهو خيال منح سيسيل دي ميل الحق في أن يجعل بناء الأهرام، السابق على الديانات الإبراهيمية بمئات السنين، في عصر رمسيس الثاني.

دي ميل في “الوصايا العشر” (1956)، وستيفن سبيلبرج في “أمير مصر” (1998)، ريدلي سكوت في “الخروج: آلهة وملوك” (2014)، يكرسون توجها يهوديا يستهدف رمزا كبيرا، رمسيس الثاني، رغم وجود إشارة وحيدة إلى بني إسرائيل، إن صح تأويلها، في لوحة مرنبتاح ابن رمسيس الثاني وخليفته. ولكن العدو حين يستهدف شعبا وتاريخا، لا ينال إلا من بطل شعبي.

لا يخرج من الأمة بطل شعبي في كل جيل، ربما يمر ألف عام إلى أن تكتمل ملامح هذا البطل، عبر تراكمات من وقائع وأساطير وأشواق الناس، ثم يلعب الخيال العام دورا في تشكيل أسطورة البطل، ويستدعيه الوعي الشعبي كلما مرت الأمة بأزمة مصيرية فتكون السيرة نافذة على الأمل، إلهاما يتجاوز عن أخطاء للبطل، وخطايا سجلها التاريخ، كما جرى ويجري مع صلاح الدين الأيوبي.

صلاح الدين رمز شهير لقائد تاريخي أصبح بطلا شعبيا، وإذا حوكم الآن على أدائه فمن السهل أن يتهمه داعشي أو سلفي وسطي بالكفر، بحجة أنه “منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه”، إذ منع إقامة الجمعة في الجامع الأزهر، رمز الدولة الفاطمية التي سعى إلى محو آثارها ومظاهرها، فأبطل المذهب الشيعي حين تولى حكم مصر عام 565 هجري (1169 ميلادي)، وعين القاضي الشافعي “صدر الدين عبدالملك بن درباس”، فأفتى بعدم جواز إقامة خطبتين للجمعة في بلد واحد، ومنع صلاة الجمعة في الأزهر، وأقرها في جامع الحاكم بأمر الله. وبعد نحو مئة عام، أمر الظاهر بيبرس بإعادة صلاة الجمعة إلى الجامع الأزهر، يوم الجمعة 18 ربيع الأول 665 هجري (17 ديسمبر1267 ميلادي).

ولكن الداعشي والسلفي كليهما لن يفكر في اتهام صلاح الدين بالقتل عام 1191 م، لن يتمتع أي منهما بجرأة بول إيلوار في الدفاع عن كل صاحب رأي لم يمارس عنفا، إذا لا تكفي مياه البحار “لغسل نقطة دم واحدة من كاتب يسقط شهيد معتقداته”، ربما يعتبران موافقة صلاح الدين على قتل السهروردي، بعد أن اتهمه فقهاء حلب بالزندقة، من مآثر صلاح الدين، وكان شيخ الإشراق يرى أن النور هو مصدر الكون، وأن الله هو النور الأعلى، وأن “الله قادر على أن يخلق نبيا لأنه لا حدود لقدرته”. هذه “الواقعة” أسقطها وعي شعبي ارتقى بصلاح الدين إلى منزلة البطل.

جمال عبدالناصر والضباط الأحرار كانوا على مرمى حجر من محاكمة بتهمة الخيانة العظمى، وأنقذتهم من ذلك المصير مصادفة، خطأ في تقدير ساعة الصفر، ليلة 23 يوليو 1952، جعل يوسف صديق يتحرك بقواته إلى مبنى قيادة الجيش، حيث يعقد اجتماع لبحث صداع كان الضباط الأحرار يسببونه للملك فاروق، فقبض على القادة وجرت الأمور بأسرع مما يمكن استيعابه، فالضباط الشبان لم يفكروا في انقلاب ولا ثورة، بل إصلاح الجيش، وفوجئوا بالدولة تسقط في أيديهم، ولم يبك على الملك أو يطالب ببقائه أحد، ورحل يوم 26 يوليو 1952، واختلف الضباط فاستقال يوسف صديق من مجلس قيادة الثورة، وغادر مصر بطعم المنفى، ثم عاد وكتب في عبدالناصر قصيدة تبدأ بهذا البيت:

“أفرعون مصر وجبارها – صحوت لها من وراء القرون”. وحين يموت عبدالناصر سيبكيه مناديا “أبا الثوار”.

تلك دراما أو تراجيديا ثورة خرج منها عبدالناصر بطلا أسطوريا، يصعب أن يتخذ منه المصريون موقفا محايدا، فهو ملاك أو شيطان. يترسخ هذا المعنى، وفقا لنظرة روجيه جارودي إلى “البطل الأسطوري”، كلما أثيرت مشكلة عصرية، تستدعي معنى أو رد فعل يتجاوز الظرف التاريخي، “فالأسطورة إذن ليست تكنيكا للخروج من التاريخ، بل على العكس هي تذكرة بما هو تاريخي فعلا”.

البطل الشعبي لا تصنعه آلات الدعاية، ولا الإلحاح، لكنه شفرة روحية خاصة تستعصي على الكتابة، “محلها القلب”، أيا كانت “الخطايا” بما فيها هزيمة في معركة، فليست الهزيمة عارا، لكنها جولة في حرب طويلة، والشعب قادر على الفرز. يرى سلامة موسى أن أبراهام لنكولن عظيم “لم تعرف الولايات المتحدة قبله أو بعده… إنسان عالمي، إذ كانت حياته لحظة في تاريخ الضمير البشري”، على الرغم من قيادته الشماليين في “حرب دامية مزقت الأرض، وحطمت المدن، ويتّمت الأبناء، وعممت الدمار، ولكنها رفعت الإنسان، بأن ألغت الرق”.

شيء شبيه بهذا أحدثته ثورة 1952، فأسقط الشعب أخطاء عبدالناصر، من مصادرة الديمقراطية، وأخذ بالشبهات إلى المعتقلات. شيء يفهم بالقلوب، يفسره هتاف “يسقط حكم العسكر”، حين يطلقه من يحملون صورة عبدالناصر منذ 25 يناير 2011، متجاهلين تناقضا بين الهتاف ورجل عسكري صمدت سيرته رغم موته وتعرضه لأكبر حملة تشويه، اتفق فيها السادات ومثقفون محافظون محدودو الموهبة ورموز اليمين الديني، من مدفعية الوزير متولي الشعراوي إلى أشرطة عبدالحميد كشك. بنظافة اليد والعدالة الاجتماعية ونشر التعليم وتكافؤ الفرص والإصرار على الاستقلال الوطني، اكتملت أسطورة عبدالناصر في الضمير العام، وازدادت رسوخا بالنقد والتكفيرين الديني والوطني، عكس رموز عربية “تختلق اختلاقا”، ولا تصمد لنقد في مقال أو قصيدة تهدد عروش السلف. اكتسبت أسطورة عبدالناصر شرعيتها حين دافع عن مشروعه الوطني ضحايا معتقلاته. كتب فؤاد حداد ديوان “استشهاد جمال عبدالناصر”، وكان يوسف صديق يعالج في موسكو، ورثاه بقصيدة يقول مطلعها:

“أبا الثوار هل سامحت دمعي/يفيض وصوت نعيك ملء سمعي”.

رحل الرجل وبقي الرمز خالدا بمقولات تنافس المأثورات التاريخية: “تؤمم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية شركة مساهمة مصرية”.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر