الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

المحاكمة تنتظر المزيد من الصحفيين

الصحفي في التراجيديا العراقية، ليس أمامه أفق يحلم عبره بأن تتوسع مؤسساته الصحفية وأن تثمن جهوده في كشف الفساد والمفسدين بل بالعكس، يساق إلى المحاكم وتضيق عليه مساحة الاستقصاء والتحري.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2015/08/04، العدد: 9997، ص(18)]

ليس جديدا أن يساق الصحفيون في العالم العربي إلى المحاكم، فلابد من إسكات الأصوات التي لا تسبح بحمد ما هو سياسي سواء أكان نظاما أو فردا، وفي العراق كانت هنالك فصول وفصول من هذا النوع من التتبع المثابر للصحفيين وإحصاء أنفاسهم وكلماتهم والنبش في تاريخهم وشن حملات التسقيط بحقهم لغرض أن يكونوا عبرة لمن يعتبر، فمثلا ترك رئيس الوزراء السابق المهام الثقال المتعلقة بشعب مبتلى بكوارث بيئية وخدمية واجتماعية وإنسانية وأمنية وانصرف لمقاضاة أحد المواقع الإلكترونية وطالبه بتعويض قدره مليون دولار لا غير، وانفض السامر على خير بعد قيل وقال وجدال وكل ترك لحية صاحبه كما يقول المثل.

كانت تلك الواقعة سببا في تتبع ظاهرة محاكم النشر في العراق التي مارست نوعا من المكارثية المشوهة كان من مفاعيلها ما أشيع عن وجود قرابة 50 مذكرة وشكوى وقبض في حق صحفيين عراقيين في عهد الحكومة السابقة حتى إذا أزيح الغبار عن تلك الحقبة وجاءت حكومة جديدة عاد الوسط الصحفي للحديث عن واقعة أخرى أدهى وأمر وهي دعوى قضائية رفعها “مستشار للأمن القومي” سابقا وبرلماني حاليا ضد مدير إحدى الفضائيات وهو في نفس الوقت معد ومقدم برامج حوارية ناجحة ويحظى بقبول وشعبية واسعة، فضلا عن كونه أستاذا جامعيا في الإعلام، ظل ذلك البرلماني يلاحق الصحفي بلا هوادة بدعوى التشهير بسبب برنامج تلفزيوني لم يستطع النائب أن يتحمله فانتفض وجلب المحامين للإيقاع بالصحفي وعقابه لكي يكون عبرة لمن يعتبر.

هذا المشهد الهزلي ليس غريبا بالطبع ولو اطلعت على تفاعل الرأي العام من خلال مواقع التواصل الاجتماعي لأدركت مدى هزال ورداءة المشهد برمته المرتبط بالعلاقة بين السياسي والإعلامي في عراق اليوم، فالسياسي يريد إما إعلاميا بوقا وإما أمعة ساكتا على الفشل الحكومي وفشل أغلب من زجوا بأنفسهم في مواقع المسؤولية، وستجد من التعليقات الساخرة الشيء الكثير.

ولا يكاد يطرح اسم سياسي أو برلماني إلا وانهالت عليه عبارات السخرية والتشنيع ولست أدري هل أن أولئك الساسة المعنيين يقرؤون ويطلعون على ما يكتبه الناس في حقهم لأنهم لو اطلعوا حقا وسكتوا بلا أدنى رد فعل لكانت كارثة، ولكن يبدو أن لا أحد منهم يقرأ ما يكتب ضدهم هناك.

لم ينته المشهد عند هذا الحد، فبينما يمضي هذا البرلماني في نزاله القضائي الذي مازالت فصوله تتراءى، ظهر برلماني آخر مطالبا بالرقابة على الإنترنت بحجة أن الناس يستخدمون الشبكة العنكبوتية لدخول المواقع الإباحية.

بل إن البرلماني بدا فرحا بأنه جمع العشرات من التواقيع من أصدقائه البرلمانيين الذين يشاطرونه تلك الزوبعة، هذا في وقت يتلظى فيه الناس من سوء الخدمات وانقطاع الكهرباء. ولهذا قيل حدث العاقل بما يعقل، فأنى للناس أن يدخلوا المواقع الإباحية في صيف قائظ وصلت فيه درجة الحرارة إلى الخمسين ولا يوجد أصلا تجهيز للكهرباء إلا لساعات معدودات؟

هذا هو الصحفي في التراجيديا العراقية، ليس أمامه أفق يحلم عبره بأن تتوسع مؤسساته الصحفية وأن تثمن جهوده في كشف الفساد والمفسدين بل بالعكس، يساق إلى المحاكم وتضيق عليه مساحة الاستقصاء والتحري، والإنترنت الذي يستخدمه يتعرض للمراقبة بفضل ثلة من السياسيين الذين لا يستوعبون ولا يريدون أن يستوعبوا معنى الصحافة الحرة التي دبجوا أحلى الكلام في حقها زورا في بياناتهم الانتخابية كما يبدو، ثم سرعان ما تنصلوا عن تلك البيانات والتعهدات بعد الوصول إلى السلطة.

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر