الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

وقفة مع الأنذال والطيبين

النذل لن يؤذيك طالما صنفته تصنيفا صحيحا ووضعته في موقعه الصحيح ضمن تلك الخانات الصغيرة التي نصنف بها الناس.

العرب حسين صالح [نُشر في 2015/08/04، العدد: 9997، ص(24)]

لا أكتمكم أن لدي أصدقاء أنذالا. عندي أصحاب أوغاد أيضا وهناك كذابون ضمن الجوقة. المسألة هي أني أرى أن الأوغاد يحتاجون أصدقاء أيضا، مثلنا. وإذا لم أصادقهم أنا فمن يصاحبهم. وهكذا أمنح صداقتي بدلا عن ناس كثيرين لا تروقهم صحبتهم. هذه تضحية لا أنتظر مكافأة عليها. فيّ شيء من الفدائي.

لي فلسفة قديمة في هذا الصدد تقوم على أنك لا تخشى نذالة أحد ولا كذبه طالما عرفت طبيعته. النذل لن يؤذيك طالما صنفته تصنيفا صحيحا ووضعته في موقعه الصحيح ضمن تلك الخانات الصغيرة التي نصنف بها الناس. هناك صناديق تشبه صناديق البريد في العمارات، وهي مبوبة ونودع فيها علاقاتنا، كل إنسان ضمن تبويبه الصحيح. هنا الصادق النقي وهنا الوفي وهنا الوغد والنذل والشهم إلى آخر تلك السمات. وتعرفون أن النذل يحتاج الشهم. النذالة مرهونة بالشهامة مثل السالب والموجب. وإذا لم يكن هناك طيبون ما كان هناك أوغاد.

عندي قصص كثيرة عن أصدقائي الأوغاد ولي صديق كذاب من النوع الذي إذا كان رأسه يوجعه يقول بطني يؤلمني وإذا أفطر بيضا مسلوقا يقول إنه أفطر بيضا مقليا. كذب قراح لا فائدة من ورائه. ولا ينبغي الاسترسال في سرد حكايات الأوغاد لأنها لا تسر.

الطيبون من الأصدقاء هم الذين يبادلون الإنسان ودا بود وهم الذين يصغون إليك بصفاء وتصغي إليهم بصفاء أيضا ويحدسون متى يحملون كلامك محمل الجد ومتى يضحكون منك. قبل نحو شهر طرأت على بالي فكرة جديدة مفادها أن الناس يشبهون أحذيتهم. قلتها لصديق يعيش في تونس وهو من فئة الطيبين فوعد جادا بأن ينظر في وجوه الناس وينزل بنظره إلى أحذيتهم ليتحقق من الأمر بنفسه. لم يقبل كلامي على علاته لكنه عامله كما ينبغي؛ فكرة جادة صارمة تستحق التحقق والتدبر يخضعها للاختبار العلمي والإحصائي.

الفكرة جاءتني حين حاولت تفسير سرعة تعرف الرجل الذي يرعى أحذية المصلين في المساجد على صاحب كل حذاء في عهدته. راعي الأحذية والنعال يسمونه في العراق “كيشوان”، وهي كلمة يبدو أنها فارسية. الناس يسرفون في وصف ذكائه وفطنته ودقة ذاكرته. اكتشفت أن الأمر لا يتطلب ذكاء وذاكرة استثنائية لأن الناس يشبهون أحذيتهم وما أسهل التعرف على صاحب أي حذاء مثلما يمكن بسهولة نسب كل طفل إلى أبيه في حفلة مزدحمة بالتقاط الشبه، وهو نفس مقدار الشبه بين الحذاء وصاحبه.

هنا ينبغي الاستطراد قليلا لتوضيح نقطة مهمة، وهي أن ذكاء راعي الأحذية وفطنته لا يستحقان الثناء والإعجاب. هي ذكاوة لا تفضي إلى أكثر من تسليم الأحذية إلى أصحابها. الذكاء الموظف توظيفا تافها لا يسمو كثيرا على الغباء، فهناك أدباء يملكون ناصية العربية، مثلا، لكنهم يوظفونها في رواية أو قصيدة سيئة. لو كان ذكاء راعي الأحذية مستخدما في بناء الجسور لاحترمته.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر