الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

كل الأمور تهونْ

تجد الكثير من سياسيي العرب اليوم يتحدثون في الشأن العام وقضايا الشعوب 'حديثَ القهاوي' وكأنهم في جلسة عابرة لا 'جمرك' على الكلام فيها.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2015/08/07، العدد: 10000، ص(24)]

ردّد البدو بيتاً من الشعر هوّن عليهم صروف الدهر ومصائبه، تعبيراً عن صبرهم وحكمتهم في مواجهة الظروف، يقول الشاعر”كَمْرَة وربيعْ وموتْ مَامِشْ/ مادامْ شاي وتِتِنْ كلّ الأمورْ تهونْ” أي طالما أن القمر والربيع موجودان فلا خوف من الموت، ويزيد من اطمئنان المرء وجود الشاي والدخان، فكل الأمور ستهون حتماً عندها.

والقهوة أخت الشاي، ونديمهما التبغ، وكثيراً ما تجنبتُ الحديث عن التبغ، كي لا يكون الأمر دعاية لعادة سيئة ضارة بالإنسان، لكن هذه المرة، لستُ أنا من يتحدث عنه وعن القهوة والشاي معه، بل هو الشيخ جمال الدين القاسمي، الذي تحدى السلطة الدينية عن علم غزير، وأراد تجديد الإسلام قبل أكثر من مئة عام في دمشق، فاعتقله الأتراك العثمانيون واتهموه بالزندقة وتأسيس مذهب جديد أطلقوا عليه اسمه “الجمالية” لكن المحكمة قررت أنه بريء من هذا السخف، وأخلت سبيله.

وكان الإصلاح الديني حينها ضرورة، كما هو اليوم ضرورة، في زمن داعش والمتاجرين بالدين، ولهذا فقد كان من عرفوا بـ”السلفيين”، يعدّون إصلاحيي ذلك الزمان، وهم حاربوا التقليد الأعمى والاتباع بلا تفكير، وطرحوا الاجتهاد. وقالوا للناس إن كل فرد مسؤول عن مصيره الشخصي، في تقاطع مع فلسفة المعتزلة.

وقد وجد القاسمي الوقت للحديث عن القهوة، في تناوله لظواهر المجتمع، فكتب في رسالته المنشورة في بيروت في العام 1904 “أما بعد فهذه رسالة في الشاي والقهوة والدخان. جمعت مما قيل في شأنها ما وصلت إليه يد الإمكان. ولم يكن الباعث على جمعها الولوع بها. فإن شرب الدخان أكرهه في كل آن. ولم أتناوله بحمد المولى المنان”.

ويذكر القاسمي إيجابيات القهوة، وخصوصاً قدرتها على تنبيه العقل للدراسة أو الصلاة. ويشيد بالتسلية المتمثلة في السهر في القهاوي. ويحدّد شعراً المقدار المعقول من القهوة التي يستحسن أن يتناوله الإنسان قائلاً “نصابُ البنِّ فنجانانِ قالوا/ وفي رمضانَ ليسَ لهُ نصابُ”.

الطريف أن القاسمي أراد بمكره، أن يلمّح إلى أن الشيخ أبا السعود الذي كان قد حرّم شرب القهوة قديماً، إنما كان يعكس القلق السياسي من المقاهي بوصفها أماكن فاسدة، وهي ما كانت تعرف بـ”القهوة خانة”، بينما يؤكد القاسمي ما قاله العارف الشهير الشيخ عبد الغني بن إسماعيل النابلسي في القرن الثامن عشر، في كتابه “خمرة بابل وغناء البلابل” عن فضل شرب القهوة.

ولهذا تجد الكثير من سياسيي العرب اليوم، يتحدثون في الشأن العام وقضايا الشعوب، “حديثَ القهاوي”، وكأنهم في جلسة عابرة لا “جمرك” على الكلام فيها، لنكتشف أن “فلسفة الشاي والتتن وكل الأمور تهون”، ليست غريبة عن عالم النخب العربية، كما لم تكن غريبة عن باديتها وصحاريها، فالصفنات الطويلة تتطلب المؤنسات ليصل العرب إلى حلٍّ لما هم فيه.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر