الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

كارهو الحياة حين يربكهم فرح الشعب بافتتاح القناة

فرح المصريون بصدق، لأنهم اطمأنوا كما لم يطمئنوا منذ عبدالناصر، أما سخرية بعض النخبة منهم فتستدعي 'مرض اليسارية الطفولي في الشيوعية'، وقد عبر عنه لينين عام 1920.

العرب سعد القرش [نُشر في 2015/08/08، العدد: 10001، ص(8)]

في نهاية العام 1985 جاء علي فايق زغلول، أشهر مقدمي برامج المنوعات الإذاعية آنذاك، إلى كلية الإعلام بجامعة القاهرة، ليقدم حلقة من برنامجه “مسرح المنوعات”، ويشمل فاصلا غنائيا، ولغزا في مشهد تمثيلي قصير، ومسابقة في الشعر تأليفا وإلقاء. كانت كلية الإعلام متفردة لا نظير لها في الجامعات المصرية، وحضور الرجل دفعنا إلى التزاحم في مدرج الكلية الوحيد، والكلية نفسها يتيمة، معنى ومبنى، إذ تستعير الطابق الرابع الأخير من مبنى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ولا يسمح بوضع لافتة “كلية الإعلام” النحاسية إلا بعد تجاوز الطابق الثالث. هنا تبدأ حدودنا، وينتهي الشعور باليتم.

لكن طالبا من أعضاء “الجماعة الإسلامية” أطفأ فرحتنا بالبرنامج وضيوفه من الفنانين. كنا في أجواء مرتبكة وحزينة، ونحتاج إلى الفرح، ربما بعد قيام أربعة فلسطينيين بخطف السفينة أكيلي لاورو، فانتزع عضو “الجماعة الإسلامية” الميكروفون، ودعانا إلى الخجل من أنفسنا؛ فكيف نبتهج ونغني وإخوة لنا في الإسلام يواجهون مصيرا مجهولا؟ فما كان من مقدم البرنامج إلا الاعتراف بأنه لا يقل غضبا من عضو “الجماعة”، ولكن الحياة لن تكون حياة إذا أصررنا على أنها جنازة متصلة، سرادق دائما للعزاء والمازوشية. لم يذكر علي فايق زغلول مصطلح المازوشية، ولكني أجده مناسبا لمن يتقصى أسباب النكد، كلما لاح للمصريين أمل في الفرح، فلا يترك الفرحين يفرحون ماداموا لا يدعونه للفرح معهم، ولا يلومونه على مزاجه العكر.

لا أجد دراسات نفسية، بقدر كاف، تفسر ظاهرة العبوس والنكد، وكراهية الحياة، وخصام البشر وخصوصا من ذوي القربى، لدى كل من ينخرط في جماعات أصولية، أو يقترب من تخومها ويدعي التعمق في دين بعث نبيه ليتمم مكارم الأخلاق وكف الأذى، ولا أقسى من أذى نفسي يكون أولى سمات “الإسلامجية” في إعلانهم الحرب على المجتمع، ويصيرون أكثر كآبة وعداء للبهجة.

أحيانا ينتقلون من جبهة إلى أخرى مسلحين بالتطرف والتصحر النفسي، فهذا “الإسلامجي” الذي نكد علينا في “مسرح المنوعات” ادّعى المعارضة زمنا، وانتقد حسني مبارك وابنه الصغير جمال، واصفا حكم مبارك بالخلو من أي إنجاز، “والمرارة تسكن الفم.. موجات من الاكتئاب القومي (يقصد العام)… وبينما نحن كذلك جاءنا الفرعون الثاني (جمال) ليأخذ مقعده إلى جانب الفرعون الأول، فازداد الشعب إحساسا بالألم المزدوج وبالمرارة المضاعفة… ومن اليوم لن نسكت على الفرعون الأول ولا على الفرعون الثاني”.

سيصبح الإسلامجي السابق مدافعا شرسا، بالباطل وبالأبطل من الباطل، عن مبارك الكبير والصغير، فيكتب عن الأخير كلاما تافها يستعير فيه أسلوب محمد المويلحي “عنده قلب، عنده عقل، عنده أعصاب. هذه هي خصائص القيادة عند جمال مبارك. عاطفة وطنية، تلهب حماسه، للاندفاع نحو أعقد القضايا وأصعب المشكلات، عاطفة حب تربطه ببلده، بجذوره، بزمنه، بأهله، بناسه، بأحلامهم، بطموحاتهم، بمطالبهم، برغباتهم في التغيير، بأشواقهم نحو الأفضل. عقل واسع، مطلع، لديه هندسة غريزية، يدرس بها القضايا، يضع الحدود بين العموميات والتفاصيل، بين الأهداف والوسائل، يفرز الأولويات ويعيد ترتيبها، طاقة عقلية تستوعب التفاصيل، صافية لا يلحقها تشويش ولا تعكير، لا تختلط عليه القضايا، لا ترتبك أمامه جذور المسائل، لديه قدرة فائقة على تتبع الأزمات من نشأتها، إلى تطورها وتفاعلها، ولديه قدرة مماثلة على إدارتها سعيا نحو حلها، تزدحم القضايا في الواقع، وفي الملفات، وفي الساحات العامة، ولكنها لا تزدحم في عقله… أعصاب قوية منشأها وأصلها قوة التسامح. قوة الثقة في الذات.قوة النظر إلى الرأي الآخر باحترام… قوة الاستقامة الأخلاقية والأمانة في تحمل المسؤوليات العامة”.

هنا أستدعي أيضا سيد قطب، حين طالب، بضراوة، بإعدام شابين شاركا في احتجاج عمالي بعد 20 يوما على ثورة 1952، وحين لم يجد لنفسه مكانا في عهد جديد أراق ماء وجهه من أجله، حمل “عدة الشغل”، وأشعل الحرائق في المجتمع، وبشّر شباب الإخوان بأن الطريق “مفروشة بالأشلاء والجماجم، مزينة بالدماء”.

أظن هذه النماذج مشوهة نفسيا، وتؤكد الحديث الشريف “خيركم في الجاهلية، خيركم في الإسلام”، وتثبت أن الأخلاق الإنسانية سابقة على الأديان، وأسمى من أخلاق بعض حاملي لوائها، لأنها تخص الإنسان أيا كان دينه أو عرقه.

لم أكتب كلمة عن “قناة السويس الجديدة”؛ فلست متخصصا، ولا أملك تفاصيل تمنحني حق انتقادها أو الدفاع عنها. لي أصدقاء يسمونها “تفريعة”، وآخرون يقولون “ترعة”، وتستطيع أن تسميها “البطيخ”، أو “الشسمه”، بالاصطلاح العراقي، ولن أقول إنك وإنهم من “عواجيز الفرح”، وهم والله أعلم عجزة، يستبدلون بالأفعال إدمان الثرثرة، وربما يكونون من قصدهم طه حسين حين تكلم عن الذين لا يعملون، ويسوؤهم أن يعمل الآخرون. أقرأ سخريتهم، كما أقرأ ما كتبه المفكر الماركسي الملتزم سمير أمين، بعنوان صريح “قناة السويس الجديدة”: “أثبتت مصر قدرتها على إنجاز مشروع عملاق، وذلك من خلال تعبئة قدراتها الذاتية دون اللجوء إلى المعونة الأجنبية”، وهذه قضية أخرى، أثارت غيظ كارهي البشر، إذا أفسد عليهم الشعب خططا في التربص بالتشفي والكآبة، حين أقدم على أسرع وأكبر تمويل شعبي في التاريخ، ففي ثمانية أيام سارع الشعب إلى جمع 64 مليار جنيه من مدخراته.

محترفو الكآبة، في تقصي أسباب وشائعات تغذي مازوشيتهم، يذكرونني بنفسي، حين كنت على تخوم الإخوان، ولا أبحث عما يدعم يقيني بكفر عبدالناصر دينيا، وإنما أسعى إلى ما يثبت لي كفره الوطني، فأجد ضالتي في كتاب “قال الناس ولم أقل في حكم عبدالناصر” لرجل أحمل له إلى الآن محبة، عمر التلمساني، الذي قال إن السد العالي كارثة.

محترفو النكد يذكرونني بعضو “الجماعة الإسلامية” إياه، ويقولون: ماذا لو أنفقت هذه الأموال في كذا وكذا، وكأنهم لا يعرفون سيكولوجية الشعب المصري الذي كان يعاني الحفاء، ولكنه أسهم بقروشه القليلة في اكتتاب عام لتنفيذ مشروع تمثال “نهضة مصر” لمحمود مختار. ولا يدرون أن مؤسسة مارتن سكورسيزي رممت، عام 2009، فيلم شادي عبدالسلام “المومياء” بمئة ألف دولار.

ليت فرقة المازوشيين، بدلا من سخرية تشبه كآبة الإسلامجية وسماجة ابتساماتهم البلاستيكية، وحدوا جهودهم في بيان قوي يشهد العالم، في هذه المناسبة، على انتهاكات حقوق الإنسان، وقانون منع التظاهر غير الدستوري، وضحاياه من أبرياء معتقلين لولاهم لاستمر حكم الإخوان، وظل السيسي وزيرا إذا دام رضاهم.

فرح المصريون بصدق، لأنهم اطمأنوا كما لم يطمئنوا منذ عبدالناصر، أما سخرية بعض النخبة منهم فتستدعي “مرض اليسارية الطفولي في الشيوعية”، وقد عبر عنه لينين عام 1920. كان لينين صاحب بصيرة، ربنا يرحمه ويرحمنا.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر