السبت 24 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10673

السبت 24 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10673

المزاج الشعبي لا يخطئ كثيرا حين يلتقط الشفرة

في لحظات الفرز ينتخب الشعب أبطاله، بعضهم ينتمي إلى عصر سابق (سعد زغلول)، والبعض قادم من المجهول (عبدالناصر)، ولكنه يشعر بصدق بأنهم يمثلونه فيمنحهم ثقة مشروطة.

العرب سعد القرش [نُشر في 2015/08/11، العدد: 10004، ص(9)]

يصعب فهم سيكولوجية الشعب المصري بنظرة سياحية استشراقية إلى رد فعل على كارثة، أو سلوك ما في واقعة، فلا هو رد فعل ولا سلوك، بل مجرد زاوية يرى منها الناظر ما يريد أن يراه، مع تجاهل زاويا وردود فعل مختلفة، وأفعال أخرى تؤكد أن مصر مجتمع مركب، وأن هذا التعقيد والتركيب سمة المجتمع المديني بعد آلاف السنين على نشوئه وتطوره، من البراءة الرعوية والبساطة الزراعية، إلى خبرة “الدولة”.

المجتمع البسيط لا يستعصي على فهم أو تفسير، وكذلك المجتمع المغلق بسبب سيطرة أفكار حاكمة، أو بحكم صرامة تنظيمه العسكري. في المجتمعات المغلقة والمعسكرات لا وجود لمصطلح “الثورة”، والتفكير في “الخروج” على “الراعي” أو “قائد المعسكر” خيانة عظمى، ويشارك البسطاء في تنفيذ الحكم بانتقاء من ينفذ حكم الله في الخارج على الدين أو الوطن. ولكن مصر لم تعرف هذا التبسيط، ولم يعبد المصريون مخلوقا اسمه “فرعون”، ولا يوجد في علم التاريخ والآثار هذا المصطلح لحاكم مصري صالح، أو مدع للألوهية يوجه سؤالا ولا ينتظر إجابة “أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي”؟

في نهاية ملوك الأسرة السادسة (2345-2181 قبل الميلاد)، قامت ثورة كبرى ضد آخر ملوكها بيبي الثاني الذي تولى الحكم في سن الرابعة، وعاش نحو مئة عام. ينقل الدكتور أحمد فخري في كتابه “مصر الفرعونية” عن بردية “إيبو ور” الموجودة في متحف لايدن بهولندا، وبردية “نفرتي” المحفوظة بمتحف ليننغراد، وهي مكتوبة في بدايات الأسرة الثانية عشرة (1991-1786 قبل الميلاد)، أنه في نهاية عصر بيبي الثاني عمت الفوضى وطفح الكيل بالشعب فلم يجد أمامه طريقا غير الثورة “صب الناس انتقامهم على الأغنياء، فنهبوا القصور وحرقوها، وصار أصحابها محزونين يبكون.. وأصبح الذين كانوا يملكون الرقيق يسيرون في أسمال بالية.. والفتاة التي كانت تذهب إلى الماء لترى وجهها أصبحت مالكة لمرآة”، لقد انتقم الناس وثار الفلاح المطيع بعد نفاد صبره.

المزاج الشعبي يصعب خداعه والتحايل عليه، ولا يَغفر بمرور السنين. أنتقي هنا ثلاثة أمثلة تحتفظ بها الذاكرة الشعبية.

خاير بك الجركسي كان من أمراء المماليك، ولكنه ساعد الغازي سليم الأول على احتلال مصر. كان السلطان قانصوه الغوري يتصدى للجيش العثماني في مرج دابق (1516)، وأوشك أن ينتصر في المعركة، لولا انسحاب خاير بك بقواته، وانضمامه إلى الغزاة مع خونة آخرين من المماليك، وأشاعوا أن السلطان الغوري قتل فانكسر الجيش (هل تذكر كيف أدى خبر بثته “الجزيرة” صباح 9 أبريل 2003 عن سقوط بغداد إلى انهيار الروح المعنوية وانسحاب الجنود من مواقعهم عقب الشائعة، قبل السقوط الحقيقي)؟ نال الخائن مكافأة من سليم الأول الذي ولاه حكم مصر، ولكن الشعب وصمه بعار لم يفارق اسمه الذي أصبح “خاين بك”. يصف ابن إياس جنود “ابن عثمان” بأنهم “همج كالبهائم”، إذ أخرجوا الناس من بيوتهم واستولوا عليها، واقتحموا الجامع الأزهر، وجامع أحمد بن طولون، وأشعلوا النار في جامع شيخا وما حوله من بيوت، وقتلوا في يوم واحد نحو عشرة آلاف مصري. جريمة أخرى ضد الإنسانية تحتاج إلى من يحرك هذا الملف.

الأميرلاي “العميد حاليا” علي بك يوسف كان قائدا بارزا ولكنه اختار أن يخون أحمد عرابي، وسهل للجيش البريطاني احتلال مصر عام 1882. كافأه الإنكليز بمنحه لقب “باشا”، ولكن الشعب أطلق عليه “خنفس”، وجرده الوعي العام من رتبته العسكرية.

إبراهيم الهلباوي (1858-1940)، أول نقيب للمحامين المصريين وأشهر محام في عصره، وضرب به المثل في القدرة على الإقناع، وانتشر المثل القائل “والله أقتلك وأجيب الهلباوي”، إذ يستطيع الرجل أن يحصل على البراءة ولو لقاتل، ولكنه ارتكب عام 1906 خطيئة القيام بدور الادعاء على فلاحين أبرياء، في حادثة دنشواي، وأثبت عليهم التهمة، فاستيقظ الحس الشعبي، ومنحه لقب “جلاد دنشواي”، ولاحقه العار حتى وفاته، رغم محاولاته التكفير عن ذنبه، وتطوعه بالدفاع عن الناس دون مقابل.

وفي لحظات الفرز ينتخب الشعب أبطاله، بعضهم ينتمي إلى عصر سابق (سعد زغلول)، والبعض قادم من المجهول (جمال عبدالناصر)، ولكنه يشعر بصدق بأنهم يمثلونه فيمنحهم ثقة مشروطة.

كان سعد زغلول شيخا تجاوز الستين حين ذهب مع رفاقه إلى المندوب السامي البريطاني طالبا الاستقلال، واستهان به الرجل الذي يمثل إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس، فسأله باسم من يطالب؟ فأجاب “باسم الأمة”، وهنا بدأت فكرة جمع توكيلات للوفد الذي سيتولى مهمة التفاوض، وتندلع ثورة 1919 ويصبح سعد زغلول رمزا لها. (هل أضاع محمد البرادعي مثل هذا الدور، لأنه لم يمتلك روح المخاطرة قبل 25 يناير أو بعدها، وأراد زعامة أو حكما بالشوكة والسكين، غير مدفوع الأجر؟ ربما).

عبدالناصر حظي بهذا الشرف. لا تفسير علميا سوى أن شفرة يلتطقها الشعب فيشعر بالصدق والثقة. تنمو الثقة بالتجربة فيكون الشعب أكثر وعيا من حاكمه الذي ظن أنه سيحاكم بعد اعترافه بتحمل المسؤولية عن هزيمة 1967، ولكن الحشود انطلقت في مصر وخارجها تطالبه بالبقاء. ولم يكن دون الثقة. وأنهكه التعب حتى توفي عن 52 عاما وكان يبدو فوق الثمانين، ومنحه بعض الشعراء لقب “شهيد”، وكانت جنازته لا مسبوقة ولا ملحوقة، وفاء لنزاهته ونظافة يده. كانوا يودعون حلما وأبا “عظيم المجد والأخطاء” كما وصفه محمد مهدي الجواهري.

الحس الشعبي لم يغفر لأحمد نظيف آخر رئيس للوزراء قبل 25 يناير، ولعمر سليمان نائب مبارك، حين قالا إن الشعب غير مؤهل للديمقراطية، ولم يغفر للسادات تحطيم حلم بناء الدولة، حين تباهى بأنه “رئيس مسلم لدولة مسلمة”، فنهشه الثعبان الإرهابي الذي رباه وكاد يقضي على الدولة، ولكن الله سلم.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر