الاثنين 1 مايو/ايار 2017، العدد: 10619

الاثنين 1 مايو/ايار 2017، العدد: 10619

مظاهرات الشيعة ضد الحكم الشيعي للعراق

أزمة العراق أكبر من أزمة الكهرباء وتردي الخدمات، بل إنها تتعلق بأزمة النظام السياسي القائم وتركيبته ومنهجه الطائفي.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2015/08/13، العدد: 10006، ص(8)]

منذ أيام تعيش العاصمة العراقية بغداد، وجميع مدن الوسط والجنوب، ما عدا المحافظات العربية السنية المحتلة من تنظيم داعش، تظاهرات شعبية عفوية صاخبة وواسعة بدأت كرد فعل على أزمة الكهرباء المزمنة الممتدة منذ عام 2003 وإلى حد الآن، ولم يتم حلها رغم إنفاق أكثر من 25 مليار دولار على هذا القطاع حيث ذهبت تلك المبالغ للنهب والفساد. ثم ارتفعت مطالب المتظاهرين إلى سقوف أعلى، حيث تصاعدت الشعارات إلى مطالبات بالقضاء على الفساد والمفسدين، وإنهاء مشكلات البطالة، وحرمان المواطنين من الخدمات الصحية والتعليمية وغيرها، وجميعها معاناة جماعية متراكمة عبر السنوات الثلاث عشرة الماضية، فشلت حكومة نوري المالكي التي استمرت لثماني سنوات 2006-2014، وكذلك حكومة حيدر العبادي الحالية من وضع حلول لها رغم الميزانيات المليارية من عائدات النفط التي تجاوزت حسب تصريحات المسؤولين الحاليين 800 مليار دولار، وهي مبالغ كان يمكن لها لو أنفقت بنزاهة وإخلاص أن تجعل من كل فرد عراقي يعيش كجيرانه في منطقة الخليج العربي أو أفضل.

علماً بأن الاحتلال الأميركي قد وفّر مختلف وسائل الدعم والسبل والأدوات لانطلاق تنمية عصرية في البلد بعد إلغاء القرارات المجحفة وفي مقدمتها حصار ما بين 1991-2003، والإسناد المادي والمعنوي في حماية الحكومة ومؤسساتها.

مظاهرات هذه الأيام هي حركة مطالب شعبية تتعلق بالحقوق الإنسانية، وهي أعلى مراتب الحقوق. وكذلك مطالب القضاء على الفساد. هذه المظاهرات غير منقطعة موضوعياً بما سبقها من هبّات جماهيرية أبرزها في الخامس والعشرين من فبراير عام 2011 في ميدان التحرير بالعاصمة العراقية، وكذلك اعتصامات حقوق المحافظات العربية السنية الخمس، وكان مناخها قريباً من التظاهرات التي ارتبطت بالانتفاضات الشعبية خلال عامي 2011 و2012 في كل من تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن والتي أدت إلى رحيل الأنظمة الفردية والدكتاتورية باستثناء سوريا (بمفعول التدابير الأميركية الروسية الإيرانية لمنع إسقاط نظام بشار الأسد). لكن المظاهرات العراقية الحالية تكتسب أهميتها السياسية من جوانب عدة فهي:

أولاً – تنطلق في مدن شيعية في وجه حكام تظللوا بالطائفة الشيعية وسبق لهم أن استخدموا شعار (مظلوميتها) قبل وصولهم للسلطة، وحصلوا وفقها على الدعم الأميركي والأوروبي على أساس مصالح تنكشف حقيقتها اليوم. فإذا كانت المظلومية تتعلق بمظاهر الطقوس التي حُرمت منها الطائفة الشيعية في العهد السابق ليس كما هي عليه اليوم، فإن أقسى مظلومية هي ما يتعلق بحقوق الإنسان في المأكل والمشرب والصحة والتعليم، وفي هذه الحالة كانت جميع طوائف العراق تتلقاها بنصيب واحد.

ثانياً – عفوية المظاهرات الشعبية، وهذه القيمة، رغم أهميتها كونها تشكل عنصر زخم عال وصدقية جماعية، إلا أن محاذيرها هي إمكانية سقوطها تحت تأثير العاطفة الحماسية التي سرعان ما تخمد وتتلاشى. وهذا العنصر اشتغلت عليه الأحزاب الحاكمة والمراجع الشيعية بشكل سريع في محاولة للتوظيف السياسي والمذهبي، واعتبارها تنفيساً “مطلوباً” ضمن الحدود المسيطر عليها، لكي لا تنفلت الأمور إلى تطورات قد تهدد الواقع الحالي للسلطة، وتحويلها إلى وسائل وأغطية للتسقيط والمنافسة بين الكتل الشيعية المتمثلة في مجلس الحكيم وتيار الصدر وحزب الدعوة وقائديه نوري المالكي وحيدر العبادي.

وقد انتقلت تفصيلات الصراع على المصالح بين الكتل الشيعية إلى الإعلام، ومحاولات ركب موجة الجماهير لصالح تلك الأهداف. لكن الشعارات المنطلقة من حناجر أبناء الشعب لا تحمل أجندات فئوية، بل إنها توجه أصابع الاتهام إلى الجميع من دون استثناء. لقد سمعنا هتافات نقلتها الكاميرات مثل “يا منطقة الخضراء نسقطكم بالكهرباء” و”أنت تسرق ونحن نتقشف” و”قادتنا الحرامية من حارات طهران القديمة إلى قصور بغداد البهية”، وأعلنت باللافتات أسماء المسؤولين المتورطين بالفساد.

ثالثاً – دخلت مرجعية السيستاني الشيعية على خط التظاهرات ووجهت رسالة للعبادي بأن يكون أكثر حزماً في قراراته لتجاوز المشاركة والمحاصصة، وهذه قوة دفع للعبادي إذا استطاع اتخاذ قرارات جريئة لضرب إمبراطورية الفساد، ويبدو أنه يباشر الآن ببعض الإجراءات مثل إلغاء منصب نواب رئيس الجمهورية ونواب رئيس الوزراء، وبدء تطبيق مبدأ “من أين لك هذا”؟ وكذلك إحالة بهاء الأعرجي، نائب رئيس الوزراء، إلى القضاء رغم احتمالات التفاف الكتل الشيعية على تلك الإجراءات لكونها الحامية لتلك الامبراطورية، ولذلك حاولت تلك الكتل ركوب الموجة، بإعلان دعم خطوات العبادي ومن بينها نوري المالكي، ذلك لأن المواجهة السلبية المباشرة ستفضحهم أمام مرجعيتهم الشيعية، التي يعلنون بأنها هي مصدر شرعيتهم قبل الانتخابات التي لعبوا عليها كثيراً عبر وسائل الفساد المعروفة.

إذا كان العبادي حاول تبرير عدم دخوله بإجراءات مواجهة الفساد بكونه كان مكبلاً من قبل القوى الشيعية التي جاءت به إلى لسلطة، فإنه اليوم قد حصل على الضوء الأخضر، وهو أمام مفترق طرق للدخول في إجراءات ثورية لتفكيك امبراطورية الفساد وزعاماتها الموجودة في الحكومة، وعليه الدخول إلى وكر الدبابير، وعدم البقاء على الأطراف.

أزمة العراق اليوم هي أكبر من مجرد أزمة الكهرباء وتردي الخدمات، بل إنها تتعلق بأزمة النظام السياسي القائم وتركيبته ومنهجه الطائفي، وما جرّته سياسات الثلاث عشرة سنة الماضية من ويلات على قطاع كبير من الشعب العراقي وهم أساسا العرب السنة، من حرمان وانعدام للخدمات لجميع أبناء الشعب وفي مقدمتهم أبناء الطائفة الشيعية. وإن انتفاضة أبناء الشيعة ضد من يحكم باسمهم تشكل علامة صحة كبيرة، قد تؤدي إلى تحولات جدية في مواجهة منهج الحكم.

العراق يعيش تهديداً حقيقياً وجدياً يستهدف بنيته السياسية والثقافية لإزاحة جميع مقومات هويته وإحلال هويات طائفية ضيقة معزولة عن ضمائر الناس، وهذه أخطر من الجوع والفقر وحرمان الخدمات لأنها تستهدف وحدة المجتمع العراقي.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر