الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

متى يتعلمون آداب الحوار

لن تتمكن المجتمعات العربية من القضاء على هذا المارد اللعين، ما لم تتخلص من التعصب الفكري بجميع أشكاله الدينية والمذهبية والطائفية.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2015/08/14، العدد: 10007، ص(21)]

لم يشد انتباهي في القناة المثيرة للجدل موضوع أحد برامجها الحوارية، الذي ناقش أسباب وأبعاد تعيين وزارة الخارجية التونسية لقنصل في العاصمة السورية دمشق، لأن موضوع العلاقات التونسية السورية اهترأ من كثرة التكرار بمناسبة ومن دون مناسبة، وفتحت حوله أقواس كثيرة دون طرح للبدائل أو للحلول.

وكثر فيه اللغط واللغو والشد والجذب بين أطراف حفظت عن ظهر قلب ما ستقوله في كل البرامج والمناسبات بدعوى الدفاع عن المصالح الشعبية للبلدين، ولكن الله أعلم بما يحاك في الغرف المظلمة.

ولا أحب الفتوى في موضوع الإرهاب الذي تطرق إليه الضيفان لأن الفتوى ليست من اختصاصي، فرجال الدين والمدافعون عن حركات الإسلام السياسي وفلول الأنظمة القمعية والموالون للتيارات الطائفية العلنية والخفية أبرع مني في ذلك.

أردت فقط أن أشير إلى نقطة هامة لا تتعلق بفحوى مثل هذه الحوارات العقيمة، بل بطريقة التحاور بين الضيفين التي خلت من كل آداب الحوار، وباتت أقرب إلى مشادة كلامية في الشارع أبطالها متتلمذون على يد صاحب المثل المصري الشهير “خذوهم بالصوت ليغلبوكم” وليسوا مفكرين وحقوقيين.

على حد علمي إن هدف كل منهما من المشاركة في هذا البرنامج عام وليس شخصيا، وأتمنى ألا تكون غايتهما تصفية حسابات تحت مسمى الدفاع عن المصالح العامة.

الكاتب السوري خليل مقداد بعد أن طرح سؤاله على الناشطة التونسية روضة السايبي قال لها بصوت متشنج “أجيبي”، بأسلوب لا ينم عن أي احترام، ولسنا ندري هل في ذلك احتقار لجنسها كامرأة، أم لأنها تختلف معه في الرأي؟

ولكن في جميع الأحوال طريقة حديثه لن تعطيه قيمة إضافية ولن توصل فكرته بطريقة إيجابية للمشاهدين، كما لن تزيد من شعبيته أو في تميزه إعلاميا؟

وفي الحقيقة لست هنا لانتقاده أو للدفاع عن روضة السايبي، التي لم تكن هي بدورها محاورة جيدة، ولو امتلكت هذه المهارة لاستطاعت تغيير مجرى الحوار وارتقت بفحواه ومحتواه، ولكن ما سمعناه من كلا الطرفين قبل عام ومنذ أسبوع وربما غدا، لا جديد فيه، إنه مجرد تدوير “للبايت” على صفيح ساخن.

وقد أردت أن أسوق هذا المثال فقط للحديث عن آداب الحوار التي أصبحت منعدمة في مجتمعاتنا العربية تحديدا، وعن أسباب تحول بعض البرامج التلفزيونية والندوات والمؤتمرات إلى حلبات للصراع يفرغ فيها المتصارعون مكبوتهم النفسي والفكري، حيث لم نعد نسمع ولا نرى سوى الهرج والمرج والتشنج، حتى لكأننا شعوب جبلت على العنف.

وهذا إن دل على شيء، فهو يدل على فقدان الكثيرين منا للمرونة العقلية وللانفتاح الذهني على الآخر وتقبله والتواصل معه، ولعله السبب الرئيسي في تفريخ الإرهاب وتغوله.

ولن تتمكن المجتمعات العربية من القضاء على هذا المارد اللعين، ما لم تتخلص من التعصب الفكري بجميع أشكاله الدينية والمذهبية والطائفية، وما لم ترب أجيالها على ثقافة التآخي والتسامح واحترام الآخر حتى وإن اختلفت معه كليا وليس جزئيا.

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر