السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

عورو أخّيم

تلك اللغة كائن حي، لا يهزم ولا يضمحل، اقتصاد أقوى من كل اقتصاد، حملت الثقافة والحضارة والفنون والآداب والسير، وحمولتها تلك، إرث هائل لأبنائها.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2015/08/14، العدد: 10007، ص(24)]

قبل سنوات بعيدة، ابتكر الفنان الكوميدي الكبير ياسر العظمة تعبيراً فريداً للإشارة إلى الوحدة النقدية العربية المأمولة أسوة بنظيرتها الأوروبية الـ”يورو”، في حلم لم يتحقق، ولا يبدو أنه سيتحقق يوماً، في أن يصبح للعرب عملة نقدية موحدة تبدأ بالأحرف الأولى من كلمة عرب، كما يبدأ اليورو بحروف “يوروب” الأولى، لتصبح عملة العرب الـ”عورو”.

وكان يا مكان في قديم الزمان، أغنية شعبية في أوكرانيا، رقصت عليها صبايا تلك البلاد، وتناقلها الغجر في رحلاتهم، لكن يهود العالم أخذوها وطوروها لأنفسهم، ووضعوا لها قصيدة خاصة بهم، وصار اسمها “هافا ناجيلا”، كتب كلماتها العالم والباحث في الأعراق والشعوب والموسيقى القديمة أبراهام تسيفي أيديلسون، احتفالا بإعلان وعد بلفور الشهير، بعد أن انتصرت بريطانيا العظمى في الحرب، واحتلت أرض فلسطين في العام 1917، ليتم الإعلان عن تهويد تلك المعزوفة، وتقديمها مغناة لأول مرة، في القدس في العام 1918.

تقول كلمات هافا ناجيلا “دعونا نفرح، لنفرح ونسعد، لنغني، لنغني، لنغني ونسعد، (عورو أخيم) بقلب سعيد، (عورو أخيم)، بقلب سعيد”. وعورو أخيم هنا، تعني بالعربية: استفيقوا أيها الإخوة. وكان إيديلسون قد استمد أبيات القصيدة من المزمور 118-الآية 64 من التوراة.

انتشرت تلك الأغنية في أصقاع الأرض، وكان أكثر المروجين لها، اليهود العلمانيون أكثر من دواعشهم في ذلك الزمان، وغنتها الأخت الفاضلة داليدا، الإيطالية المصرية، أيام الأبيض والأسود، وفي زمننا هذا، غنتها المطربة الكويتية (الإيرانية) إيما شاه دون خجل، وأدّاها عازف الكمان العملاق أندريه ريو، وعزفتها كبريات الفرق الموسيقية في العالم، وأصبحت رمزاً للبهجة والإصرار على الحياة، مهما كان السبيل إليها.

وبين العورو والهافا ناجيلا، تشعر أنه ورغم دموية المشهد العربي، إلا أن قبائله وأفخاذه التي تتصارع اليوم في ما بينها، بناء على فوارق المعتقدات والمفاهيم، لكل من الدين والطائفية والحرية والحكم، تفعل هذا وهي تحتفل فرحة سعيدة بما يجري، وكأنه انتصار لا هزيمة، وكأنه تفوق لا انهيار.

لا وجود للعورو ولا للسوق العربية المشتركة، ولا للأحلام المشتركة، ولا للأفراح المشتركة، وبظهور ملوك الطوائف من جديد، لم يعد لدى العرب عرق مشترك أو ثقافة مشتركة.

بقيت لديهم تلك اللغة التي لا يمكنهم التخلص منها، لا هم ولا أعداؤهم، فلا يلذ للعرب شيءٌ مثل الاستماع إلى الشعوب التي تناصبهم العداء والعنصرية، وهي ترطن بلغاتها وتتورط في كشف مدى تغلغل العربية في عمق تلك اللغات، كما حين ظهر الرئيس الإيراني روحاني مؤخراً وهو يقرّر بنبرة متبجحة بغيضة أن عصر العرب قد أفل وأن عصر الفرس قد عاد اليوم، بعد الاتفاق النووي، في خطبته التي قال فيها “ما يك صفحه جدید در تاریخ منطقه باز”.

تلك اللغة كائن حي، لا يهزم ولا يضمحل، اقتصاد أقوى من كل اقتصاد، حملت الثقافة والحضارة والفنون والآداب والسير، وحمولتها تلك، إرث هائل لأبنائها، مجتمعين أو متفرقين، مهزومين أو منتصرين، بؤساء أو فرحين، مقتولين أو قاتلين.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر