الاحد 22 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10789

الاحد 22 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10789

تأهيل الدعوة لحكم العراق مجددا

العبادي قال 'إن إسقاط النظام السياسي الحالي ليس من مصلحة العراق لعدم وجود البديل المناسب'، وهذا يعني المحافظة على مرتكزات النظام السياسي القائم والاكتفاء بتخفيف الأزمة.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2015/08/18، العدد: 10011، ص(8)]

لا يمكن النظر ببساطة إلى ما يجري في العراق اليوم وتوصيفه بأنه تظاهرات شعبية حصلت كردة فعل مباشرة لأزمة الكهرباء رغم تأثيرها المباشر وسط انعدام أبسط مقومات الحياة وتشريد أكثر من مليوني إنسان من ديارهم.

ما يحصل اليوم في العراق هو إعلان الدخول في مرحلة حصاد سياسات النهب والفساد الحكومي والحزبي، والأهم حصاد حكم الأحزاب الشيعية منذ عام 2003 وإلى حد اليوم أمام جماهير الشعب (الشيعية) المنتفضة، وجماهير الشعب العراقي كله، لكن انتفاضة اليوم تخرج من المدن الشيعية في وجه حكامها ومدّعي تمثيلها. فالعرب السنة كان لهم فصلهم المعروف ما بين عامي 2012 و2014 في الاعتصامات السلمية التي وظفت بشكل مثير للانتقام السياسي والطائفي، حيث تحول المواطنون في أربع محافظات بنظر حكومة نوري المالكي إلى “داعشيين”.

وهكذا أصبح العرب السنة اليوم لا أرض لهم، مهمّشين إلى درجة وصفهم مؤخرا من قبل رئيس الأركان الأميركي الجديد، الجنرال جوزيف دان فورد، حين قال “لا مكان للسنة في العراق”، ولهذا فإن ملفهم قد وضع على الرف مرحلياً من قبل الأميركان، ليصبح البديل المرحلي هو التعاطي مع سليم الجبوري كرئيس للبرلمان الذي يحاول مصادرة رمزية “القيادة السنية” بيده، وإزاحة من جاء به من قادة العملية السياسية السنة مثل أسامة النجيفي وصالح المطلك وغيرهما، وحصوله على المباركتين الإيرانية والأميركية وليست التركية، رغم أنه ضعيف ولا مواقف معروفة لديه في ظل انتمائه الإخواني، ولم يتمكن حتى من الدفاع عن مصالح أهله في ديالى.

لقد فتحت الانتفاضة “الشيعية” الواسعة أبواب خيارات وسيناريوهات لمصير الحكم في العراق، ويُتوقع أن تختلف نتائجها من حيث الشكل والأساليب والأدوات فقط دون الجوهر وهو العمل على إبقاء الحكم الشيعي، وإجراء إصلاحات تبدو مثيرة، لكنها لا تمس جوهر العملية السياسية بقيادة حيدر العبادي الذي اختارته مرجعية السيستاني لكونه الرئيس التنفيذي للحكم.

ما يحصل اليوم من تغييرات داخلية يتجاوز وظائف الحقائب الوزارية ومشكلات الفساد، إلى أزمة مراكز القيادة والإدارة السياسية داخل البيت الشيعي، والصراع المستمر منذ سنوات ما بين حزب الدعوة بقيادة نوري المالكي الذي أزاح ابراهيم الأشيفر(الجعفري)، وبين القوى الشيعية المتمثلة بالحكيم ومقتدى الصدر اللذين لا يمتلكان حزباً تقليدياً، وإنما تيارين للولاء الرمزي.

لقد هيمن خط التطرف الذي يقوده المالكي على مقدرات حزب الدعوة والذي كان يضم قيادات “عقلانية” تحاول، ولو باستحياء، تعطيل سياسات القمع والتسلط، وإبطال بعض الإجراءات الحكومية التي مزقت لحمة الشعب الواحد، وجعلت من كل مواطن عربي سني متهماً بالإرهاب والداعشية، يزجُّ به بسهولة إلى السجون السرية والمعتقلات، وتصادر حقوقه المدنية دون مبرر قانوني، وتحجب عنه مقومات العيش الكريم. لكن المالكي ظل مقاوماً لأي مهادنة حتى بعد خروجه من رئاسة الوزارة في أغسطس 2014. موهماً الجميع بأن غطاءه هو طهران النافذة في العراق وقوة الميليشيات. وقد اشتغل لثماني سنوات على تمويه وجود شخصيات سنية كرتونية في الوزارات، لا حول لها ولا قوة سوى الانضمام إلى إمبراطورية الفساد والسرقة والكسب الذاتي.

لقد تحول البلد منذ عام 2006 إلى ثكنة ميليشياوية مسلحة تضغط على أنفاس الناس، لا يتخلص منها سوى المنافقين والدجالين وبعض فاقدي الضمير والمنقلبين على أبناء جلدتهم. ولعل دخول داعش للعراق، والهزيمة الفضائحية للجيش الذي قاده نوري المالكي ساعدا على تحول المليشيات الموالية لولي الفقيه (خامئني) إلى قوة عسكرية وسياسية منظمة ضاربة استثمرت فتوى السيستاني بتطوع المقاتلين ضد داعش، وتسعى إلى الدخول في مركز القرار السياسي في البلد، وفرض هيمنتها الإرهابية المخيفة في شوارع العاصمة مجددا، حيث القتل والاختطافات، وأخيراً اخترقت مظاهرات ميدان التحرير تحت يافطة (الحشد المدني) مما عقد الأزمة السياسية داخل البيت الشيعي الحاكم.

تأهيل حزب الدعوة من قبل المرجعية الشيعية يخفي عمق الصراعات الداخلية بين الأطراف الشيعية الحاكمة

ويبدو أن مرجعية السيستاني تشتغل على عدم انفلات الأوضاع بيد تلك الميليشيات الآن، وتحقيق مشروع سريع يستهدف إنقاذ الحكم وإعادة تأهيله وفق السيناريو الذي سربت بعض معلوماته من الدوائر المقربة للمرجعية ويقود تنفيذه محمد رضا، ابن السيستاني، الذي أقام غرفة عمليات تضم بعض مستشاريه، وهي خطة لا تتفق معها طهران كليا، وتجد رضى عند الأميركان، تستهدف هذه الخطة إنهاء نوري المالكي سياسيا وتصفية مرتكزاته داخل حزب الدعوة وخارجه، وقد لا تصل إلى محاكمته مثلما يطالب المتظاهرون لأن في ذلك كسرا لهيبة حزب الدعوة الذي يتمسك بقيادته والبيت الشيعي عموما، خصوصاً وأن طهران لم تفرط به إلى حد اللحظة واستقبلته بعنوان “نائب الرئيس” رغم تنحيته لكونه يمثل خطها في العراق وضمانا لاستمرار العبادي في مسؤوليته لعبور المرحلة “الإصلاحية” الانتقالية الحالية، بعد إعادة بعض الكوادر من حزب الدعوة من حملة الشهادات والمعتدلين إلى الواجهة، ولا نفاجأ بدخول عدد من تلك الأسماء إلى كابينة الحكومة، والقيام ببعض الإجراءات التي تدغدغ عواطف الجمهور الشيعي والعراقي كإحالة مجموعة من الفاسدين إلى القضاء رغم انتمائهم إلى الأحزاب الشيعية، ولا يتوقع استسلام المالكي بسهولة.

وقد خرج من لسان العبادي موقف مهم حيث قال بتاريخ 14 أغسطس 2015 “إن إسقاط النظام السياسي الحالي ليس من مصلحة العراق لعدم وجود البديل المناسب”، وهذا يعني المحافظة على مرتكزات النظام السياسي القائم والاكتفاء بتخفيف الأزمة واحتواء الغضب الجماهيري الملتهب.

إن تأهيل حزب الدعوة من قبل المرجعية الشيعية يخفي تحت الستار عمق الصراعات الداخلية بين الأطراف الشيعية الحاكمة الحكيم والصدر وحزب الدعوة ولا يتوقع خضوع القطبيْن الحكيم والصدر لقيادة حزب دعوة العبادي مهما تجدد سياسيا، لأن المشكلة أعمق بكثير ولها امتدادات خارج الحدود. وقد تختبر الاحتجاجات الحالية، بأشكال متعددة، دستورية وقانونية الإجراءات، ومصير المكانة الشعبية الشيعية التي اختطفها اليوم العبادي بقوة المرجعية، ولعل من مستكملات طبخة الحكم الجديد هي إبعاد بعض السياسيين السنة عن الحكومة واستبدالهم بأسماء من مرجعية سليم الجبوري الذي سيبتعد كثيرا عن الجمهور السني. وإذا لم يمر سيناريو التغيير هذا فإن احتمالات دخول العراق في مأزق التقسيم أو الفدرلة سيصبح أمرا واقعا.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر