الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الإعلامي العارف بكل شيء

الإعلامي العارف بكل شيء تسلم له الفضائية وتذعن، وتعليه نجما لا يضارعه في النجومية من يتوخى أسس البرامج الحوارية وقواعدها.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2015/08/18، العدد: 10011، ص(18)]

لم تعد الصحافة بعد ما شهدته من تطور مذهل على كافة الأصعدة خاصة في مجال التقنيات واجتياح التكنولوجيا الرقمية وتحديد الـمهام والوظائف البشـرية.

في المقابل تتحمل ذلك النوع من التعويم للوظائف والمهام الصحفية، فهنالك مهن ووظائف بتوصيفات محددة، لكن الحال في العالم العربي مازالت تصنع من خلاله اجتهادات لا حصر لها، وابتكارات في تحديد الوظائف والمهام الصحفية غير مسبوقة ومنها مثلا أن يطلق أحد ما على نفسه صفة “إعلامي”، هذ التوصيف الغريب صار يتسع ليشمل المذيع أي مقدم البرنامج ويشمل المعد والمبرمج والمنتج ومساعديه وغيرهم كثر فكلهم إعلاميون.

بموازاة ذلك يظهر على الشاشات من يسمي نفسه “إعلاميا” يدير برنامجا حواريا، يفترض أنه مقدم لذلك البرنامج، ومن خلفه فريق كامل في الإعداد والإنتاج وإجراء الأبحاث وتقديم الخلاصات المركزة لذلك المقدم لكنه ليس بحاجة إلى كل ذلك فهو ليس مقدما عاديا بل هو “إعلامي” ويتقمص كل الأدوار، معد ومبرمج ومنتج وباحث ويتدخل في بعض الأحيان في عمل المخرج وإحجام اللقطات واستخدام المقاطع الفيلمية، وفوق ذلك ولأنه إعلامي عارف بكل شيء فإنه ليس مطالبا أن يستعد لضيـوفه في برنامجه الحواري إذ أنه بألمـعيته سـيستخرج أسـئلة من بـاطن إجاباتهم وسيـرفع يديه الاثنتين دفـعة واحدة كلما أجابوا سواء راضيا وموافقا أو رافضا ومعترضا فحركة الذراعين صعودا وهبوطا هي جزء من لزوميات الإعلامي.

هذا النوع الإعلامي الفريد الذي ضرب بعرض الحائط أسس وقواعد مهنية الإعلام والصحافة التلفزيونية وأسس وقواعد البرامج الحوارية “توك شو” وكأنه صار هو القاعدة وغير ذلك استثناء بمعنى أنك صرت تشاهد برامج من هذا النوع تقلد ذلك الإعلامي في أسلوب إدارته للحوار وسؤال ضيوفه.

ولأنه “إعلامي” وعارف بكل شيء فإن عنده من المعلومات ما يفوق ما يمتلكه الضيوف ولهذا تجده يقاطع ضيوفه قائلا “بصراحة إجابتكم غير وافية لأن عندنا معلومات خلاف ذلك”، ومن خلال ذلك تتطور حقوق ذلك الإعلامي العارف بكل شيء إلى الحق في إسكات الضيوف ومقاطعتهم، ليس مهما أن يوصلوا فكرة تتم إضاءتها مهما كانت أهميتها بل المهم أن يثبت هو أنه قد تفوق على الضيف وأفحمه وأنه قد وضعه في زاوية حرجة حتى لو انحدر إلى أكثر الأسئلة تبسيطا.

الإعلامي العارف بكل شيء تسلم له الفضائية وتذعن، وتعليه نجما لا يضارعه في النجومية من يتوخى أسس البرامج الحوارية وقواعدها، فكلمته واحدة لن تصبـح اثنتين وهو في هذا يصنع بمساعدة قناته نمطا فريدا واتجاها غير مألوف أو معهود في تحديد الوظائف والمهام الإعلامية وتلك إشكالية أخرى إذ كما أشرنا في البداية أنها أسس وقواعد تطورت مع تطور المؤسسات الإعلامية وتطور أدواتها ورسخت رسوخ الرواسي لكن الإعلامي العارف بكل شيء الذي يرتع في الفضائية له الحق في نسف كل شيء لأنه هو العارف بكل شيء.

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر