الاربعاء 29 مارس/اذار 2017، العدد: 10586

الاربعاء 29 مارس/اذار 2017، العدد: 10586

الثقافة 'عقدة' الحكام الجهلة وحدهم

ما الذي يجعل الحاكم صغيرا في مواجهة المثقف الملتزم، العضوي بالمعنى الغرامشي؟ لا يملك هذا 'المثقف' إلا إنتاج المعرفة ونشرها، وطرح أسئلة مسكوت عنها، وإثارة القلق.

العرب سعد القرش [نُشر في 2015/08/18، العدد: 10011، ص(9)]

في ربيعها مع معمر القذافي نظمت “الجزيرة” ندوة بالفيديو كونفرانس، منذ نحو عشر سنوات، بحضور فهمي هويدي وآخرين كان عليهم النظر إلى أعلى حيث شاشة “تتنزل” منها صورة العقيد وتعليماته. توقن “الجزيرة” وهويدي وحضور اللقاء من “المثقفين” أن القذافي قاتل مهووس بالسلطة، خارج الزمن، ومن المستحيل إصلاح ما أفسده طوال 35 عاما بلقاء تلفزيوني يهدف إلى تجميل وجهه، فقال كلاما كثيرا خاليا من كل معنى، وعقب هويدي “سيادة العقيد، شكرا لك على ما أمتعتنا به، وما قلته الكثير منه يستحق التعليق، وبعضه يستحق التصحيح”. ولكن اللقاء المدفوع على ما يبدو، مكن “العقيد” من إحراج هويدي؛ فالقذافي لا يحتمل أن يناقشه أحد ونصح هويدي باستعلاء “أنت اقرأ الكتاب الأخضر يا ابني أولا.. يا ابني أنت لازم تحتاج لدرس في هذا الموضوع”، فقال هويدي “سيادة العقيد أنا أكبر منك سنا وأنت أكبر مني مقاما”.

لم يكن هويدي وغيره من “المثقفين” مضطرين إلى اتخاذ مواقع التلاميذ، وتلقي تلك الدروس القذافية. لا إكراه ولا ترهيب في هذا الشأن، ولكن الترغيب وارد، كما كان واردا في ندوة بالفيديو كونفرانس ذات معرض دولي للكتاب في القاهرة، لإشهاد القذافي على جدية مناقشة مجموعته القصصية “القرية القرية. الأرض الأرض. وانتحار رائد الفضاء وقصص أخرى”. وأصدر سمير سرحان رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب طبعة جديدة، بإضافة كلمة “مع” وتغيير طفيف لتصبح “القرية.. القرية. الأرض.. الأرض. وانتحار رائد الفضاء مع قصص أخرى”. وفي تلك الندوة اجتمع مثلث يضم القذافي مطلا من العلياء، وطبعة مصرية من قصصه تسجل أنه “ليس غريبا على زعيم مثل القذافي قام بثورة وقاد أمة وصنع التاريخ، أن يضيف الجديد لفن القصة القصيرة”، و”مثقفين” غير متحققين ممن أغراهم الترغيب يناقشون الإبداع في قصص القذافي.

في عام 2009 كانت سرت الليبية مسرحا لترغيب آخر، في مؤتمر الاتحاد العام للكتاب العرب الذي أهدى درعه إلى القذافي بصفته أديبا عظيما. نظم المؤتمر مائدة عنوانها “النص الأدبي لدى المبدع معمر القذافي”، بمشاركة مصريين وعرب يُسارع بعضهم الآن إلى المزايدة على الثورات في العالم العربي.

ما الذي يجعل الحاكم صغيرا في مواجهة المثقف الملتزم، العضوي بالمعنى الغرامشي؟ لا يملك هذا “المثقف” إلا إنتاج المعرفة ونشرها، وطرح أسئلة مسكوت عنها وإثارة القلق، فجميع الناس، حسب غرامشي، مفكرون، “لكن وظيفة المثقف أو المفكر في المجتمع لا يقوم بها كل الناس”. بل إن صمت هذا “المثقف” يثير ضيق الحاكم الصغير، ولهذا تكررت وقائع تحديد الإقامة والتهميش والنفي والتصفية المعنوية والجسدية، عبر التاريخ.

لا يشعر الحاكم “الكبير” بالدونية أمام “المثقف”. كانت رمزية سعد زغلول في كونه ابن حركة الاستقلال الوطني عن دولة الخلافة، هو صاحب المقولة الشهيرة في افتتاح الجامعة المصرية (1908) “هذه جامعة دينها العلم”. ولن يغار من عباس العقاد، أو يضيق باعتداده بنفسه، وإنما سيطلق عليه “الكاتب الجبار”. كانت سمة زعماء تلك الفترة أنهم يحظون بدرجة عالية من التربية السياسية والوعي الثقافي والجمالي. تختلط هذه العناصر إلى درجة يصعب معها، في حالة مكرم عبيد مثلا، معرفة أين ينتهي “السياسي” وأين يبدأ “المثقف”؟ ذلك الخطيب الذي تمتع بقدرة غريبة على الإيجاز، كما في قوله “اللهم يا رب المسلمين والنصارى، اجعلنا نحن المسلمين لك وللوطن أنصارا، واجعلنا نحن نصارى لك، وللوطن مسلمين”.

اختلف الأمر بعد ثورة 1952، لم تُتحْ للضبّاط الشبان فرصة هذه التربية “الثلاثية”: السياسية والثقافية والجمالية، باستثناءات قليلة، ثروت عكاشة ويوسف صديق وجمال عبدالناصر الذي لديه هذا الوعي التاريخي والثقافي، بقراءاته لرواد حركة التنوير، فضلا عن تمتعه بحس سياسي جعله يرفض محاكمة الملك فاروق، محاكمة في السياق الثوري ستفضي إلى دم، والدم سيزيد الشراهة إلى مزيد من الدماء، واستشهد برواية تشارلز ديكنز “قصة مدينتين” على ضرورة أن تكون الثورة بيضاء لا تنزلق إلى المستنقع. اعترف عبدالناصر بتأثره برواية “عودة الروح” لتوفيق الحكيم، وقال إنه استوحى منها “ثورة أحاول استكمالها”، ومنح الحكيم أرفع الأوسمة.

أراد وزير التربية والتعليم كمال الدين حسين أن يكون المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب تابعا للوزارة، فاستنكر عبدالناصر “هل تكون وزير طه حسين والعقاد؟ أنت الأمين العام للمجلس” الذي أصبح هيئة مستقلة تتبع رئاسة مجلس الوزراء. أما العقاد فله مع عبدالناصر مواقف. لم يكن راغبا في شيء ولا يرهب أحدا، حين كتب مقاله “فلسفة الثورة في الميزان” (نشر في كتيب عام 1955)، شرحا واستحسانا لما ذهب إليه عبدالناصر في كتابه “فلسفة الثورة”. كان العقاد رئيس لجنة الشعر في المجلس الأعلى للفنون والآداب، ويرفض الاعتراف بشعر التفعيلة، وبعد الوحدة بين مصر وسوريا دعي أحمد عبدالمعطي حجازي إلى مهرجان شعري في دمشق. وكان حجازي يكتب قصائد المديح، لاهثا وراء السلطة الجديدة، وهي تميل إلى “الزاهد” صلاح عبدالصبور، رغم هجائيته اللاذعة “عودة ذي الوجه الكئيب” (1954)، في عبدالناصر. أبلغ عبدالناصر برفض العقاد أن يسافر حجازي، فرد بسؤال استنكاري وهل نحن “قدّ” العقاد؟ واقترح أن يسافر حجازي، وهو صحفي في مؤسسة “روزا اليوسف”، كصحفي، وهناك يقول شعرا كما يشاء ويشاءون.

في الدورة الأولى لمنح جائزة الدولة التقديرية (1958) نالها طه حسين، وفي العام التالي ذهبت إلى العقاد الذي بدأ خطاب تسلم الجائزة “في هذه الهالة من حضرة الرئاسة السامية”، وأنهاه قائلا “تلك هي جمهورية الفكر خير قرين لجمهورية الحكم‏..‏ لا جرم تهل على أعيادنا طلعة الرئاسة مشكورة مأثورة باسم الدولة واسم الأمة”.

السادات الذي “ألف” له يوسف إدريس بعض كتبه في الخمسينات لم يكن يطيق القراءة. كان عليه أن يقرأ يوميا أربعة ملفات ولكنه طلب أن يبعدوا عنه “تلال الأوراق” التي قتلوا بها عبدالناصر على حد قوله. وعادى “المثقفين” وسخر منهم باعتبارهم “الأفندية الأراذل”. وجاء مبارك أكثر كراهية للثقافة، وقال سكرتيره السابق للمعلومات مصطفى الفقي إنه لم يقرأ كتابا، الفقي نفسه قال عام 2008 “الرئيس مبارك وأفراد أسرته يعلمون أنني عشت بينهم وولائي لهم”.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر