الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

على شاطئ البحر

البحار تمنح كوكبنا الجميل لونه الأزرق المتميز. أتمنى التوفيق والنجاح للبحار والمحيطات على كافة الأصعدة لكني أنصح بالابتعاد عنها وتركها للبواخر والسمك.

العرب حسين صالح [نُشر في 2015/08/18، العدد: 10011، ص(24)]

هذا موسم الإجازات والبحر. البحر لا يحتاج إلى تعريف. هو ذلك الجسم المائي الذي يفترض أن يكون مستويا وأفقيا لكنه يبدو مرتفعا مثل الجدار. وتنبعث منه رائحة سكانه الأصليين وكلهم من الأسماك والحيوانات الغريبة أخرى.

سكان البحر هؤلاء خارجون من صورة المخلوقات الطبيعية مثل السلحفاة والخروف والأرنب. فيهم ناس يتنفسون من خدودهم وفيهم من لديه ثماني أذرع. لكن ما يشفع لهم أنهم مكتفون ذاتيا ولا يتعدون على سكان البرية مثلنا. يعني لا تجد سمك القرش في الشوارع يصيد الأغنام ليأكلها. بينما نحن نذهب إلى البحر ونمسك الأسماك ونأكلها. وهذا يحسب لهم.

المهم، البحر يقصده الناس أفواجا ليستمتعوا رغم أن البحر نفسه لا يسلّي ولا يعرف سوى بث أمواج رتيبة ومملة وساحله يعني الرمل، والرمل يدخل في كل مكان. تدخل حباته المزعجة في كل شيء: الأحذية والملابس والساندويتشات والأنف والحنجرة.

عند ساحل البحر تغوص الأقدام في الرمل ويصير المشي مهمة شاقة. تغوص الأقدام وينبغي انتشالها بجهد يفوق عناء المشي في الوحل. وإلى ذلك كل شيء على شاطئ البحر بعيد عنك. محل بيع المرطبات يحتاج إلى مسيرة والتواليت يحتاج إلى رحلة شاقة، وكل التنقلات وقطع المسافات الشاسعة تتم مشيا في الرمال. والناس يرون في كل هذا مدعاة للبهجة والسرور.

ويجب أن نذكر هنا أن هذه الحياة المريعة على الشاطئ تسعد الأطفال عادة. وكل ما يسعد الأطفال يزعج الإنسان العاقل. فالأطفال حين يكونون سعداء لا يكتفون بابتسامة صامتة ونظرة أمل وتطلع إلى مستقبل أفضل لأنفسهم ولبلادهم، بل يملأون الدنيا صخبا وزعيقا وركضا عشوائيا في كل اتجاه مثل ركض الدجاجة.

على شاطئ البحر يفقد البشر توازنهم المعهود وهيبتهم بل وحضارتهم. ينضون عن أنفسهم ملابسهم ويكشفون أجسامهم التي لا تسر والتي تستثمر البشرية أموالا هائلة لصناعة ما يكسوها ويحجبها عن الأعين. حتى الجلوس قرب البحر عملية متعبة. أمامك خياران أولهما الجلوس على الأرض واكتساب المزيد من الرمل، وثانيهما الجلوس على كرسي ليس فيه من الكراسي سوى الاسم. اختراع عجيب مطبق تطبيقا ملغزا تنجم عنه تشكيلات هندسية مختلفة لم أفلح يوما في الاهتداء إلى فك لغزه.

تبدأ عملية فتح الكرسي بهدوء ثم تستحيل غضبا ونفاد صبر فيتطوع أحد محترفي الجلوس عند البحر بالمساعدة مزهوا بمعارفه ويمنحك ابتسامة العارف الظافر. وحين الجلوس لا تكون جالسا حقا بل في وضع شبه أفقي غاطس في الوسط يصعب النهوض منه.

وحين ينتهي اليوم العصيب تعود الأسرة إلى البيت مثل الجيش المكسور، مثل قوات نابليون العائدة من موسكو، تلملم أشياءها من عند الشاطئ وتجر أذيال الخيبة وتحاول أن تقنع نفسها بأنه كان يوما بهيجا. في طريق العودة يقولون أكلنا طعاما به حبات رمل ودخل الرمل في شعرنا وأحذيتنا وأنوفنا، يا لنا من سعداء، يا للبهجة.

لكني مع كل هذا لست ضد البحر من حيث المبدأ، بل أشجعه وأدعمه. لا بد من مكان يعيش فيه الأخطبوط وأنواع المحار وضروري جدا أن تكون هناك بيئة لإقامة الأسماك. ولا بد من شيء تسير فيه السفن وتختبئ فيه الغواصات، وإلا فما فائدتها. ثم إن البحار تمنح كوكبنا الجميل لونه الأزرق المتميز. أتمنى التوفيق والنجاح للبحار والمحيطات على كافة الأصعدة لكني أنصح بالابتعاد عنها وتركها للبواخر والسمك.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر