الثلاثاء 30 مايو/ايار 2017، العدد: 10648

الثلاثاء 30 مايو/ايار 2017، العدد: 10648

مفارقات ومفاجآت بروسترويكا العراق

حركة الإصلاح في العراق يتقاذفها واقع تقسيم النفوذ ومصالح الفرقاء السياسيين حتى داخل الحزب الطائفي الحاكم في العراق، الذي يجر خلفه سنوات من أبشع تجارب إدارة الدول في العالم.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2015/08/20، العدد: 10013، ص(8)]

حزمة الإصلاحات في العراق، تشبه تنفيذ الأوامر المستعجلة، لم تخضع للتسلسل الطبيعي والمنطقي والمشاورات واللقاءات وحضور الخبراء الفنيين المختصين، لذا هل يمكن اعتبارها إصلاحات على شاكلة “البروسترويكا” في الاتحاد السوفيتي التي قادها ميخائيل غورباتشوف.

التظاهرات في العراق ليست هي الأولى بعد الاحتلال، لكن لماذا هذه المرة تردد صداها بقوة في الواقع السياسي؟ هي بسبب المرجعية الدينية لكثير من المتظاهرين، أو هو الإحساس بأن الكيل طفح واحتمال حدوث المفاجآت وارد جدا في الواقع العراقي، وعلى هذا كان لزاما إجراء “إعادة بناء”، لكن من يضمن تحرك حزمة الإصلاحات حسب سياسة الـ”غلاسنوست” أي الشفافية المرافقة لإصلاحات أدت إلى تقويض الاتحاد السوفيتي وانهياره.

حركة الإصلاح في العراق يتقاذفها واقع تقسيم النفوذ ومصالح الفرقاء السياسيين حتى داخل الحزب الطائفي الحاكم في العراق، الذي يجر خلفه سنوات من أبشع تجارب إدارة الدول في العالم، وسلسلة متغيرات في بنية المجتمع واستجمع همجية الأنظمة القمعية لتمزيق العراق بالميليشيات المتعددة وسمح بتفتيت كيان الدولة وأمنها القومي وترك حدودها سائبة لاستيراد مبررات توغل الفوضى والانتقام.

من تجارب منطقتنا، أثق بالوقائع الدراماتيكية وقلب الموازين، وأحيانا لا تكون معقدة بالضرورة، إنما هي استجابات لنضج حالات الاضطرار أو المواقف أو الاسترخاء المبرمج للواقع الدولي.

السيناريوهات حاضرة في الإصلاحات خاصة في ظل رفع ملف سقوط الموصل إلى القضاء، وهو إما سيواجه تسويفا ومماطلة تمتد في الزمن، أو سنتابع بين دفتي الأحكام بالبراءة أو الإدانة اشتعال الأزمات بين الأطراف، وقد تكون مصائد مضافة إلى مزيد من الإقصاء والتهميش، حتى تبدو حزمة الإصلاحات، حزمة حطب توقد بها نهاية واقع سياسي خلفه الاحتلال الأميركي وتناوشته إيران بمشروعها القديم مستفيدة من مداخلات السياسة الدولية وطبيعة الشخصيات الحاكمة التابعة لها، وأيضا استغلال المشتركات المذهبية في تغليف القناعات لدى طيف واسع من العراقيين بحمايتهم من مواطنيهم الذين كانوا، ومازالوا، إخوة في المأساة والموت وضياع الأمل بالوطن الراعي لأبنائه.

المفاجآت برفقة تناقضات لا تتقبلها أبسط مفاهيم السياسة، فالمطالبون بالدولة المدنية من المتظاهرين يتراجعون أمام شعارات التمسك بالمرجعية الدينية، وتلك مفارقة أصداء لهتافات سرعان ما ستتصاعد لأن الأحزاب الطائفية ستتدخل بعنف متزايد في الأسابيع القادمة، وهي تتابع التهدئة من على المنبر المتسيد للمشهد السياسي أو بالتقويض المباشر للتظاهرات من خلال التصدي لها بكل الوسائل، وما حدث في ساحة التحرير من بعض التصرفات، إن هو إلا بداية لمأزق سيتجه إلى منحى آخر.

الميليشيات المتنفذة أصبحت أهميتها أكبر من الجيش وجيرت مستقبلها، قادة ومنتسبين بقرارات شكلية كقوى نافذة في المؤسسة العسكرية وهي تتحدث عن إمكانية السيطرة على المنطقة الخضراء في حالة الانفلات أو عدم الاستجابة لمطالب المرجعية.

لن تتوقف الإثارات والإشارات القادمة من إيران بدعمها لرئيس الحزب الحاكم الذي ورد اسمه في أعلى قائمة المطلوبين في ملف الموصل للتحقيق معه، وهو المسؤول الحزبي لرئيس مجلس الوزراء الذي تفوضه الجماهير للقيام بالإصلاحات.

تستمر التناقضات والتوقعات في ظل ظروف احتلال أجزاء كبيرة من العراق، مع ظهور شعارات في كربلاء ضد إيران، حاولت بعض أجهزة الإعلام الداعمة للمظاهرات التعتيم عليها كما حدث مع ردود الفعل في الناصرية تجاه لافتات وجدت طريقها لرفض التدخل الإيراني في مصير العراق.

تتسم الحقيقة بالوضوح دائما، فاللاعب الأكبر استفرد بالعرب كلا على حدة وهذا ما أوصله إلى المجاهرة بنزعاته الطائفية في مشروع تهجير جماعي وتبادل المناطق وفق الانتماء المذهبي، كما حصل في المفاوضات أثناء الهدنة بين طرفيْ النزاع في بعض مناطق الشريط الحدودي لسوريا مع لبنان.

الحاضر سيظل منصة إطلاق للمستقبل مثلما هو التاريخ، فإما أن يجهز العراقيون مؤونة غدهم، أو يتركوا فرصتهم لوقائع ربما ستكون أسوأ بكثير من يوميات عذاباتهم، لذا عليهم الانتباه إلى أن المناقلات في الأشخاص ليست حلا، وأن الحزب الحاكم هو سيد الإشكالات الكبرى التي مر بها العراق، والإصلاحات الترقيعية إنما هي محاولة لتهدئة الشارع وغليانه مع عدم وجود توجهات ومطالب محددة، ستكون ذريعة وفرصة إنقاذ سياسي ومبررا لتفرد في القرارات، غرضها التعكز على الشعب للنيل من الشركاء.

الدول تتقدم بوجود شركات متقدمة توفر أرضية اقتصادية تتحرك عليها السياسات العامة للدولة لكسب الوفرة المالية بالابتكار والتنافس وتطور الخبرات وتشجيع الإنتاج، والعراق حتى الآن دون قاعدة اقتصادية سوى النفط ومعه الفساد المستشري في كل قواعد البنية الإدارية والمصرفية.

للمتظاهرين أردد، ماذا بعد التظاهرات وحزمة الإصلاحات الكسولة المصابة بالعاهات؟ وهل هناك إصلاحات سياسية دون تنمية؟ المفاجآت قادمة وبروسترويكا العراق ربما تكون مفارقة الانهيار.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر