السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

دعوها فإنها مأمورة

تلك الناقة التي دخلت مدينة عربية ذات يوم، وقيل للناس حينها، ألا يتدخلوا في سيرها، “دعوها فإنها مأمورة” فما تزال تسير وفق تلك اللحظة، والناس يظنّون أنها ما تزال مأمورة.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2015/08/21، العدد: 10014، ص(24)]

لا يرى صنّاع الواقع العربي، العالم كما يراه الآخرون، يشاهدون صورة مختلفة تشبه العالم الافتراضي الموازي الذي يتم خلقه بتقنيات أصبحت بسيطة اليوم. فالمدن صحارى وناطحات السحاب جبال ومحطات الوقود واحاتٌ وعيون ماء وعابرات الطريق قطعان من المها والريم، والسيارات الحديثة المتطورة، ما هي إلا خيول من سلالات الكحيلان والصقلاوي والمعنقي، وكذا يفعلون حين يرون تقلبات الزمن فيسمونها صروف الدهر وأهوال الحال، وحين يلتقون بمسؤول غربي كبير، يهمسون لبعضهم البعض، ما سمعته بأذني في اجتماعات رسمية ذات أهمية كبرى “نتوسّم فيه الغنيمة، فهو وجه خير.. وابن حلال”.

أما التكنولوجيا فهي الطريق إلى الفراديس، من الحنين إلى الغرائز إلى العمليات الانتحارية، ومن النظر إلى شاشة الآيباد على أنها رقعة كاغد قُدّت من جلد الغزال، إلى اعتبار رسائل المحادثات، في برامج التواصل الاجتماعي، مثل لفافاتٍ يحملها الحمام الزاجل في خيطان تُعقدُ حول أرجله.

وما من عربي إلا وحدّث ذاته، منفرداً متنهداً، بأبيات مالك بن الريب التي رثى بها نفسه حيّاً، والتي أحسبها من الروائع الأدبية العالمية “ألا ليتَ شِعري هل أبيتنَّ ليلةً/ بجنب الغضَى أُزجي الِقلاصَ النواجيا/ فَليتَ الغضى لم يقطع الرّكبُ عرْضَه/ وليت الغضى ماشى الرِّكاب لياليا”، أما الحرب على الوجود في خارطة النفوذ الاستراتيجي على الشرق الأوسط، فتختصر في نظر العرب، إلى “خناقة” بين خمسة عساكر، ليحسبوها موقعة “ذي قار” الشهيرة التي حصلت قبل ألف وأربعمئة عام وانتصر فيها العرب وهزموا الفرس.

ولكن هل العرب وحدهم من يفكّر هكذا؟ ألم يقل جورج دبليو بوش إن حربه على العراق حرباً صليبية جديدة. إنه يهيئ الكوكب لحرب “هرماجيدون” بعد سقوط بابل من جديد؟ ألم تأت تيارات عالمية مختلفة لتعيد الزمن إلى الوراء بانية التاريخ القديم، ولتبعثه من بين القبور؟ ألم يأت الإيرانيون اليوم ليقتصوا من قاتل الحسين وكسرى معاً؟

الزمن لولبي، يدور ويدور، ولكنه لا يعود إلى الوراء، حتى لو اصطنع سكّانه لأنفسهم فيه “كبائن” وحجرات معزولة، وظنوا أنهم بمنأى عن عواصفه العاتية، ويبدو أن لدينا شركاء في الجهالة في أنحاء الأرض، وأن الأقلية الوحيدة في العالم، هي أقلية العقلاء.

رحم الله معروف الرصافي الذي قال للعرب مبكّراً “فارضَوا بحكم الدهر مهما كان فيـه تحكّـمٌ/ وإذا ظُلمتم فاضحكوا طربًـا ولا

تتظّلمـوا/ وإذا أُهنتم فاشكروا وإذا لُطمتـم فابسمـوا/ إن قيل هذا شَهدُكـم مُـرٌّ فقولـوا عَلقَـمُ/ أو قيـل إنّ نهارَكـم ليـلٌ فقولـوا مُظلـمٌ/ أو قيل إن ثِمادَكـم سَيـلٌ فقولـوا مُفعَـمُ/ أو قيل إنّ بلادكم يا قـوم سـوف تُقسَّـمُ/ فتحَمّـدوا وتشكّـروا وترَنّحـوا وترَنّمـوا”.

أما تلك الناقة التي دخلت مدينة عربية ذات يوم، وقيل للناس حينها، ألا يتدخلوا في سيرها، “دعوها فإنها مأمورة” فما تزال تسير وفق تلك اللحظة، والناس يظنّون أنها ما تزال مأمورة، وتعرف طريقها، على هدي الأقمار الصناعية العربية التي أطلق بعض العرب اليوم على واحدٍ منها اسم نجمهم العتيق “سهيل”.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر