الاحد 28 مايو/ايار 2017، العدد: 10646

الاحد 28 مايو/ايار 2017، العدد: 10646

خالد سعيد وتوفيق عكاشة.. عمر حاذق ولا أحد

لم يشغلني عكاشة، رأيته زبدا يطفو في تصادم موجات الثورة، ليس له ثقل ليغوص ولا رهافة ليطير ويختفي، والجمهور يعلم أنه من كارهي الثورة، ولم يكن يخفي ولاءه لحسني مبارك.

العرب سعد القرش [نُشر في 2015/08/25، العدد: 10018، ص(9)]

ربما أكون آخر من “اكتشف” توفيق عكاشة. في الفصول الأولى لثورة 25 يناير 2011 ندرت مشاهدتي للتلفزيون ثم شاهدت بالمصادفة، خلال أحداث شارع محمد محمود في نوفمبر 2011، كائنا عكاشيا (عكاشة يعني عنكبوت) يسب 25 يناير ورافضي الاستقرار، في قناة “الفراعين” الفضائية. سألت عن ذلك المذيع الملتاث الذي لا يكف عن الصراخ ويخلو خطابه من المنطق، فقيل إنه ليس مذيعا، اسمه توفيق عكاشة، منح نفسه لقب “الإعلامي الدكتور” وما هو بإعلامي ولا دكتور، وهو يملك القناة ويديرها ويجري مقابلات مع أمثاله، مرتضى منصور مثلا، ويحل ضيفا على القناة فتحاوره مذيعة يسميها البعض “أنثى العكش”، تسأله سؤالين أو ثلاثة فقط طوال بضع ساعات، تطول أو تقصر فالقناة قناته، وللضيف، عكاشة الذي هو مالك القناة ومديرها ومذيعها، أن يوبخ المذيعة وأحيانا يخاطب المخرج، وينفعل فيطلب فاصلا إعلانيا أو غير إعلاني، ولعكاشة أن ينهي الحلقة ويغادر الاستوديو غاضبا، وشتائمه ترسم خطا يمتد من طاولة الحوار إلى الباب.

لم يشغلني عكاشة، رأيته زبدا يطفو في تصادم موجات الثورة، ليس له ثقل ليغوص ولا رهافة ليطير ويختفي، فظل “يرغي” ويزبد، والجمهور يعلم أنه من كارهي الثورة، ولم يكن يخفي ولاءه لحسني مبارك “هذا الرجل الذي أحترمه وأحبه وقدسه”. ولعكاشة مقطع فيديو شهير يقبل يد وزير حمل لقب “قواد” منذ عام 1968، وأوصى تقرير رسمي بألا يتولى منصبا، ولكن مبارك اختاره وزيرا، فصعد بسرعة متسلحا بما يتمتع به القواد من برود ودهاء وصلافة يزدريها المصري في تسامحه مع المومس واحتقاره للقواد.

لم يشغلني عكاشة، ولكن أمثاله الملتاثين هتفوا له يوم السبت 15 أغسطس 2015 “يا عكاشة يا ولد، سجنك بيحرر بلد”، وادعوا أن له فضلا على عبدالفتاح السيسي. طالب الغاضبون بالإفراج عن عكاشة وصوروه كبطل سياسي، في مظاهرة لم يفكر المشاركون فيها أن يحصلوا على ترخيص بالتظاهر من وزارة الداخلية، وتجاوز عن تلك المخالفة للقانون وزير الداخلية واسمه اللواء مجدي عبدالغفار، ثم دخل الوزير طرفا في القضية، واستقبل كلا من مرتضى منصور وهو محام ومصطفى بكري، وهو كل شيء ولا شيء، للتوصل إلى حل للمسألة. والمسألة مهينة لعكاشة ولأي “رجل” ليست قضية رأي، ولا فيها شيء من البطولة، بل تهمة مخجلة، سب وقذف في حق مطلقة عكاشة، بعد أن رفض دفع النفقة والاعتراف بابنه، فقضت المحكمة بحبسه ستة أشهر وتغريمه عشرة آلاف جنيه لمطلقته، وأصبح الحكم نافذا منذ مايو 2012.

لم يشغلني عكاشة، ولا وزيرا يتوالى فشل أداء وزارته. ولم يفكر محام من أنطاع يرفعون دعاوى تكفير، على ممثلة ارتدت الحجاب ثم خلعته، في رفع دعوى تتهم وزير الداخلية بالعمل في مهنتين، إذ تفرغ لمدة ساعتين، وعمل مأذونا شرعيا، لبحث التصالح بين عكاشة ومطلقته. كما انشغلت الدولة التي تعاني فشلا أمنيا واقتصاديا بأزمة عكاشة ومطلقته، ففي اليوم التالي للقبض على عكاشة (الأحد 16 أغسطس) تنفيذا لحكم قضائي، حدد المستشار محمد عبدالشافي المحامي العام لنيابة شرق القاهرة جلسة عاجلة، يوم الأربعاء 19 أغسطس للنظر في الاستشكال المقدم من عكاشة لوقف تنفيذ الحكم، وقضت غرفة المشورة بمحكمة شمال القاهرة برئاسة المستشار إسلام أبوالنصر بإخلاء سبيل عكاشة، فخرج في اليوم نفسه (يوم الأربعاء) رافعا علامة النصر على مطلقة مسكينة وابن معاق يحتاج إلى علاج؟

شغلني خالد سعيد، أيقونة الثورة، وكيف يقتل أربع مرات مرشحة للزيادة بتوالي الكوارث. الأولى حين عذبه شرطيان وقتلاه ومثلا بجثته في 6 يونيو 2010، ثم أخلت سبيلهما النيابة. والثانية حين نشرت صحيفة “الجمهورية” أنه “شهيد البانغو”، وكرر الوصف المذيع خيري رمضان في التلفزيون. والثالثة بتأخر القصاص بدلا من تكريمه، فلم تقيض له الثورة المتعثرة أي مستشار لأي نيابة ليحدد جلسة عاجلة للقضية، كما فعلوا مع عكاشة لينصروه على مطلقة وابن معاق. وفي أكتوبر 2011 عاقبت محكمة بالإسكندرية الشرطيين القاتلين بالسجن سبع سنوات. وطعنت النيابة والأسرة على الحكم المخفف. وفي 3 مارس 2014 قضت دائرة قضائية أخرى بالسجن عشر سنوات على القاتلين.

والقتل الرابع لخالد سعيد جرى باعتقال الشاعر عمر حاذق ورفاقه، ويجري باعتقال آخرين يتهمون بخرق قانون التظاهر الذي صدر في نوفمبر 2013، وهو قانون غير دستوري وانتقائي لم يمس أحدا ممن تظاهروا بغير تصريح وانتصروا على الدولة، وحرروا المواطن عكاشة من تنفيذ حكم قضائي.

هل فكر عمر حاذق في مقولة عدلي يكن “مساكين هم أنصار الحرية، يأتون ليفكوا عنها إسارها، فيقعون هم في الأسر”؟ المؤكد أنه كان مأخوذا أكثر بتحريض نيلسون مانديلا “ليس حرا من يهان أمامه إنسان ولا يشعر بالإهانة”، ففي الثاني من ديسمبر 2013، وخلال جلسة لمحاكمة قتلة خالد سعيد، نظم عدد من الشبان أمام المحكمة وقفة رفعوا فيها لافتات تطالب بالقصاص، وقبضت الشرطة على بعضهم، فما كان من عمر حاذق إلا أن سأل الضابط: لماذا تضربهم وتقبض عليهم؟

فقبض عليه، واتهمته النيابة بتخريب منشآت، وتحطيم سيارات الشرطة، والاعتداء على الجنود والضباط، ومقاومة السلطات، والتظاهر دون ترخيص، وتكدير الأمن العام. وقضت محاكمة عاجلة بحبس عمر حاذق ورفاقه عامين وكفالة خمسين ألف جنيه.

قبل اعتقال حاذق، علا صوته بما اعتبره فسادا بمكتبة الإسكندرية وذهب صراخه سدى، وانتقم منه إسماعيل سراج الدين مدير المكتبة، بفصله من عمله بالمكتبة. وفي 21 أبريل 2014 أدان بيان للمثقفين سلوك سراج الدين المتعسف، وطالبوا بإعادة المحاكمة ثقة منهم ببراءة عمر حاذق ورفاقه.

هكذا تمضي العدالة الانتقائية، وهكذا ينضج الشرط التاريخي لموجة قادمة للثورة.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر