الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

عن الاستعصاء التركي

التحالف مع المعارضة صار حتميا، والتنازل لصالح تركيا ولصالح الأحزاب الأقلياتية بات واجبا محتما للخروج من حالة المكاسرة التركية والنزول من شجرة «العزة بالإثم» هو الخيار الوحيد لأردوغان وصحبه.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2015/08/25، العدد: 10018، ص(9)]

على مدى نحو 13 سنة كان حزب العدالة والتنمية التركي منفردا بالحكم وباسطا نفوذه على السلطة التشريعية البرلمانية والتنفيذية الرئاسية في تركيا، مستندا في ذلك إلى شرعيات انتخابية كانت تملّكه سلطة القرار وحقّ الخيار والإدارة في البلاد طيلة أكثر من عقد من الزمان.

لم يلتفت حزب العدالة والتنمية منذ 2002 إلى المعارضة التقليدية سواء منها اليسارية أو القومية ناهيك عن الكردية، لم يدخل في معجميته السياسية مفاهيم التشاركية أو مصطلحات التشريك، صحيح أن المعارضة في ذلك الوقت كانت تعيش أزمة هوية سياسية وثقافية مع متغيرات معرفية وذهنية عاصفة بالمجال الإسلامي برمته، ولكن في الوقت ذاته كان “العدالة والتنمية” يرى في الغالبية المريحة التي تؤمنها صناديق الاقتراع تأشيرا شعبيا للانفراد بالحكم، وتقسيم المشهد السياسي حسب ثنائية “الفاعل” و“التابع” أو “المركز” و“الهامش”.

تحوّلت المحطات الانتخابية التركية بين 2002 و2011، إلى فرص سانحة لمزيد توسّع الحزب انتخابيا واكتساب مقاعد جديدة في البرلمان وابتلاع السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية والإدارية والعسكرية، مستغلا في ذلك ضعف أداء وخطاب كافة الأحزاب المعارضة، والانسداد الحاصل في القضية الكرديّة، والنجاحات الاقتصادية التي تحققت خلال العقد الأول من الألفية الثالثة. وفي كل المراحل كان “الآخر” غائبا في تصورات الحزب لمبادئ الحكم، وعوضا أن يعمل حزب العدالة والتنمية على تشكيل حزام تشريعي آمن يمنع عن تركيا الفراغ الدستوري والحكومي، اختار حزب أردوغان الانفراد بالقرار الحزبي الضيّق والتفرّد بالسلطة.

اليوم، يرث أحمد داوودأوغلو تركة سياسية ثقيلة خلّفها له رجب طيب أردوغان قوامها التقوقع على الذات الحزبية الضيقة لتشكيل الحكومة في سياق اقتراعي فقد فيه الحزب الغالبية النيابية الكاسحة، وبات مجبرا على التحالف مع الأحزاب الأخرى المعارضة لتشكيل حكومة ائتلافيّة، ليجد أوغلو نفسه في وضعية حرجة بين مطرقة المعارضة الرافضة للتحالف مع العدالة والتنمية من جهة، وأردوغان الرافض لأيّ مشاركة حقيقية من أحزاب المعارضة على قاعدة النديّة والتشريك.

فشل كافة محاولات تشكيل حكومة ائتلافية في تركيا يعود، بالأساس، إلى غياب ثقافة التشريك في الحكم لدى حزب العدالة والتنمية طيلة عقد من الزمان على الأقل، وتغييبه لكافة مكونات المشهد السياسي التركي الأمر الذي حوّل جلسات التفاوض بين أوغلو وممثلي هذه الأحزاب إلى جلسات مقايضة وتشارط علني، على اعتبار أن الثقة المتبادلة معدومة والتواصل الثنائي مفقود.

وهذا الأمر يعود كما أصلنا لمسلكيّة سياسيّة أردوغانيّة تقارب المعارضة من زاوية “أقلياتية” في الخطاب والأداء، سواء أكانت أقلية تابعة خاضعة للعدالة والتنمية، حزب السعادة على سبيل المثال، أم أقليّة مقصيّة ومغيبة من الفعل الرسمي التنفيذي.

كلّ ما تقدّم يفسّر ترجيح رجب طيب أردوغان لفرضية الانتخابات البرلمانية المبكرة قصد تغيير موازين القوى وإعادة حزب العدالة والتنمية إلى المربع السياسي الأوّل الذي يقدر بمقتضاه أن يشكل حكومة دون التشارك مع المعارضة.

وهنا تظهر بالكاشف حقيقة تمثّل أردوغان، ومن ورائه العدالة والتنمية، لشيئين، الأمر الأوّل للانتخابات حيث أنّ أردوغان يقاربها من نقطة أنها تفويض شعبي للحكم المنفرد فقط، وليس قرارا شعبيا للتحالف والتآلف مع الآخرين وتقديم التنازلات في سبيل الوطن، الأمر الثاني للمعارضة السياسية التي يعتبرها أردوغان “طارئة” في الوصول إلى السلطة وبالتالي فلابدّ من انتخابات ثانية لإعادتها إلى “كينونة” التمثل الأردوغاني للأحزاب.

مثل أردوغان مع الانتخابات كمثل المقامر مع طاولة الميسر، يعيد الكرّة كلّ مرة يرتئي فيها أنّ خسارته لا تعود إلى ذكاء المنافسين أو لغبائه هو، وإنما لإشكال في طريقة خلط الأوراق فيفرض معربدا وصارخا على منسّق اللعبة، إعادة توزيع الورق في دهشة من المقامرين الآخرين وجلسائهم والمراقبين.

التحالف مع المعارضة صار حتميا، والتنازل لصالح تركيا ولصالح الأحزاب الأقلياتية بات واجبا للخروج من حالة المكاسرة التركية، والنزول من شجرة “العزّة بالإثم” هو الخيار الوحيد لأردوغان. والبديل عن ذلك هو استمرار في حالة “الاستعصاء” والمكاسرة بين الأطراف السياسية، فلا الانتخابات الجديدة ستعطي للعدالة والتنمية ما جادت به في 2002 وغيرها من المحطات الانتخابية الأخرى، ولا المعارضة ستقبل بالوضع الذي كانت عليه سابقا.

وحدهم الأغبياء يريدون إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وحدهم الأذكياء يدورون مع الساعة وعقاربها ودقاتها وتقلباتها.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر