السبت 24 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10673

السبت 24 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10673

العراق شبه جزيرة القرم الفارسية

بدأت في العراق بوادر إعادة لسيناريو 4 سبتمبر 1980، لكن هذه المرة لا تتوفر قوة لإجهاض مشروع الملالي، إيران تحذو حذو مثال القيصر الروسي وتعتبر العراق شبه جزيرة القرم الفارسية.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2015/08/28، العدد: 10021، ص(8)]

دول 5+1 تعني الخمسة الكبار في مجلس الأمن، الولايات المتحدة الأميركية، الاتحاد الروسي، بريطانيا، فرنسا، الصين، أي الأعضاء الدائمين الذين يمتلكون حق الفيتو، وهذا الحق حصلوا عليه كنتائج وميزات لانتصارهم في الحرب العالمية الثانية، أما الواحد فهي ألمانيا، الدولة النقيض تماماً، التي شنت الحرب ضد الخمسة وخسرتها في أبشع مجازر كوكبنا الأرضي.

ما الذي جاء بألمانيا لتكون سادسهم في المفاوضات النووية مقابل طاولة مستطيلة طرفها الآخر إيران؟ الجواب في سعيها لإعادة بناء اقتصادها المدمر بعد الحرب ولم شتاتها بعودة اتحادها وزوال جدار برلين، وعلاقاتها الدولية المميزة المبنية على خدمة مصالحها وتنامي قاعدتها الصناعية والتكنولوجية والسمعة الرائدة لشركاتها العملاقة وأثرها الراسخ في اقتصاديات العالم.

إذن هل سنشهد ذات يوم ألمانيا، جزء من الستة الدائمين في مجلس الأمن؟ ستتكسر حينها وتتحطم خرسانة الانتصار التاريخي ونتائجه وحقوقه المنتزعة بالقوة، ليلتقي الأعداء على قواعد أخرى تتسم، بحق الخاسر في فك قيود الماضي، بعد أن تجاوز الحواجز وأصبح عضواً فاعلاً لا يمكن التخلي عن دوره المؤثر في التوازنات الدولية.

ألمانيا، لا تخفي سعادتها رغم أنها الواحد المضاف للخمسة، لكنها بجوارهم “من جاور السعيد يسعد” إن هي إلا مقدمات لواقع دولي قائم على لعبة كرسي زائد أو كرسي ناقص، والتبادل لا يتم إلا في سوق الستة وإضافات هامشية أخرى.

مفاعل (بوشهر) الشاهنشاهي الفارسي، وضعت بُناه الأساسية شركة ألمانية، والآن تعود عبر مفاوضات بفوائد السوق الإيرانية ومتوالية الأحداث للأسواق الآسيوية.

المثال الألماني، صلاحيته أكثر عمقاً في الاستدلال على تقاسم المصالح والنفوذ بين الدول الخمس المستهلكة للفيتو، والمشاكل الطافية على سطح الأحداث كما حاصل في موضوعة شبه جزيرة القرم وأكرانيا وما تبعها من شد وجذب بين الناتو وروسيا، لم يمنع أميركا وروسيا من مواصلة المفاوضات مع الفرسان الثلاثة الآخرين، زائداً ألمانيا، للخروج باتفاق شامل مع بلاد فارس، يلفه الغموض حول نيات كل فقرة منه.

تتفجر في الإعلام بين وقت قصير وآخر الخفايا، لنتبين حجم الغاطس من مباحثات استمرت لسنوات وتنقلت إلى مدن متعددة في العالم وما رافقها من اهتمامات إعلامية في استعراض مثير، يبتغي الحل السياسي عبر تفاهمات مع الجانب الإيراني لوقف تخصيب اليورانيوم، عند حدود الاستخدام السلمي وعدم منح الفرصة لإنتاج السلاح النووي.

العُقَد المفصلية في المباحثات لم تكن جميعها مع الجانب الإيراني، بل كانت غالبيتها بين الدول الستة المتنازعة، فروسيا مرتبطة بعقود سابقة لبناء مفاعلات ومن مصلحتها ترتيب الوضع الإيراني مع أميركا. الصين بحكم حجم استيراداتها النفطية وطموحاتها في البحث والتنقيب من قبل شركتها الحكومية، التقارب الأميركي ربما يهمش دورها الإستراتيجي لمستوى الفوارق التكنولوجية بينها وبين الشركات الأميركية. أما بريطانيا فتاريخها النفطي في المنطقة لا يبتعد عن إيران أيضاً ولديها شركة النفط البريطانية، وهي تتعامل بتقارب مع الموقف الأميركي، أما فرنسا فتشددها في المفاوضات يتراوح بين التوفيق في مواقفها مع الأطراف الدولية المعنية بنتائج المفاوضات مع إيران.

الخمسة المنتصرون في الحرب العالمية الثانية وحقهم في الفيتو الذي أضاع حقوق الكثير من دول العالم، ساوموا في ما بينهم سلباً أو إيجاباً، واستخدموا الفيتو ضمن معايير رؤيتهم إما لمصالح آنية ظرفية، أو لإستراتيجيات بعيدة المدى.

عانت الإنسانية لعقود طويلة من حروب بالإنابة، عن الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، وتم تجاهل حروب ونشبت حروب أهلية ومجازر، دون تدخل دولي لاختلاف التوجهات حول القرارات الحاسمة. وبيننا الآن المشهد السوري المستمر منذ أربع سنوات دون حل، لأنه يخضع لاختلاف وجهات النظر واصطفافات الدول الخمس المتباينة، دون الالتفات إلى دم الأبرياء والأمثلة عديدة ومنها تاريخ نشوء الجماعات المتشددة أيام الاحتلال السوفييتي لأفغانستان.

ولو عدنا في حساباتنا بأثر رجعي، في ما يخص علاقات أمتنا العربية مع أميركا من جهة، والاتحاد السوفييتي سابقا والاتحاد الروسي حالياً من جهة أخرى، ومع فرنسا وبريطانيا والصين أيضاً، لاكتشفنا حجم الخسائر التي لحقت بنا وما زالت، ودفعنا أموالاً طائلة اقتطعت من خطط التنمية والإعمار، كنا نتأرجح ونميل للغرب الأوروبي وأميركا ثم نتكئ على الاتحاد السوفييتي، وعدم الاستقرار في العلاقات لا يعود لإرادتنا إنما لأن الأطراف المعنية كانت تتخلى عن دورها وعقودها ومعاهداتها لتغيُر موازين القوى والمصالح، كما في العدوان الثلاثي على مصر، وأولويات ما قبل نكسة حزيران 1967 وما بعدها، وحرب إيران مع العراق، والاجتياحات الاسرائيلية للبنان، والحرب الأهلية اللبنانية وغيرها.

وصلنا إلى الحاضر بعد الاتفاق النووي مع إيران، وهرولة فرنسا في المفاوضات إلى إعادة العلاقات الطبيعية، اغتناماً لفرص استثمارية للشركات الفرنسية، وكذلك فعلت بريطانيا وأعادت فتح سفارتها في طهران، حتى قبل جلسة مجلس النواب الأميركي للتصويت على قبول أو رفض الاتفاق، أما روسيا فمواقفها معلنة داعمة لإيران في شؤون التسليح وبناء القدرات العسكرية والنووية، متجاهلة المهازل في الواقع العراقي والسوري، وحجم التدخل السافر لإيران فيهما وفي المنطقة.

الشارع العربي وبعض قادته ومعهم سيل من مداد أقلام الكتاب، رددوا لعقود من السنوات، صفة الإمبريالية كرديف لسباب وشتائم تطال الهيمنة والغطرسة الأميركية، وتعاملها بالمعايير المزدوجة في موقفها مع العرب، اليوم، الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن بيد كل منها حق الفيتو، دول، من حقنا أن نضعها في سلة الإمبريالية، إمبريالية أميركية، إمبريالية روسية، وإمبرياليات بريطانية وفرنسية وصينية، والإمبريالية الألمانية حاضرة باقتصادها الراسخ.

هل سنشهد في بلدان الأذرع الإيرانية، سياسة مختلفة لا تتعلق باستعراض العضلات، أو القفز بالمجاميع والقادة الميدانيين، أو بالاستشارة أو البديل التفاوضي، إنما في وجهة تتعلق بالاحتلال المباشر للأرض واستحضار المبررات والإعداد لها، ثم التنفيذ.

بدأت في العراق بوادر إعادة لسيناريو 4 سبتمبر 1980، لكن هذه المرة لا تتوفر قوة ردع وضربة مباغتة لإجهاض مشروع الملالي، كما حدث في 22 سبتمبر 1980، حكام إيران يحتذون بمثال القيصر الروسي ويعتبرون العراق، شبه جزيرة القرم الفارسية.

دول 5+1 سيختلفون، لكنهم سيجتمعون.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر