الاربعاء 21 فبراير/شباط 2018، العدد: 10907

الاربعاء 21 فبراير/شباط 2018، العدد: 10907

المعمار وصنع ثقافة الذكورة

في مشهد الثقافة العربية المعاصرة نجد أيضا المفكر المصري جمال حمدان قد أعطى مساحة كبيرة في مؤلفاته المخصصة لدراسة شخصية مصر.

العرب أزراج عمر [نُشر في 2015/08/28، العدد: 10021، ص(15)]

أجمعت الدراسات المكرسة لسبر دور المكان، أو الفضاء، ومناخهما ونمط بنية معمارهما في تشكيل الذاتية، والهوية، أن ثقافات المجتمعات لا يمكن أن تفهم سوى أنها ابنة العلاقة العضوية بين المكان والتاريخ اللذين لا يمكن الفصل بينهما. ففي الصفحات الأولى من مقدمته نجد ابن خلدون يربط ربطا قويا بين تأثير المكان الجغرافي وطبيعة هوائه وبين ما ينتج عن ذلك من أنواع السلوك والأخلاق وتكوين لون بشرة أفراده لدى هذا الشعب أو ذاك، وهذا يعني مباشرة أن الهوية والأخلاق والطباع ليست في جزء كبير منها مشروطة بمؤثرات الوراثة وليست أيضا بالجواهر الجاهزة أو المعطاة قبليا.

وفي مشهد الثقافة العربية المعاصرة نجد أيضا المفكر المصري جمال حمدان قد أعطى مساحة كبيرة في مؤلفاته المخصصة لدراسة شخصية مصر وركز بقوة على تأثير الجغرافيا المصرية على بناء هوية مصر الثقافية والتاريخية.

ولقد اتضح لي الدور الأساسي الذي يلعبه معمار الفضاء عندما اطلعت على أعمال المفكر الفرنسي بيير بورديو المخصصة للمجتمع الأمازيغي الجزائري وخاصة كتابه “منطق الممارسة” الذي يحتوي على ملحق عنوانه” المنزل القبائلي أو العالم بالمقلوب”. لقد درس بورديو في أغلب مؤلفاته، وفي هذا المقال/ الملحق، دور عناصر الفضاء المنزلي، والاجتماعي في بناء فكرة الشرف، والعادات، وكل ما يسميه بالرأسمال الرمزي من جهة، وفي إفراز تباين هوية كل من الذكورة والأنوثة وبالتالي تبعية المرأة للرجل من جهة ثانية.

وفي دراسته لمعمار المنزل الأمازيغي اكتشف بورديو أن توزيع الفضاء فيه مرتبط بعدة عناصر عدة مثل الزمان الذي تظهر فيه المرأة والزمان الذي يظهر فيه الذكر، وكذلك توزيع الأدوار بينهما “إنه يمكن القول بأن المرأة محبوسة في المنزل فقط طالما أن الرجل موجود خارجه في النهار على الأقل. إن مكان الرجل يوجد في الخارج، في الحقول، أو في مجلس القرية، ويلقن هذا للأولاد في سنهم المبكرة”. ويضيف مبرزا أن “الرجل الذي يقضي كثيرا من الوقت في المنزل في وقت النهار فهو مشكوك في أمره أو أنه أحمق، وهو رجل المنزل الذي يحضن البيض مثل الدجاجة في خمّها”، وفضلا عن ذلك فإن “العلاقات بين الرجال تقام خارج المنزل” وأن “الأصدقاء هم أصدقاء الخارج وليسوا بأصدقاء الموقد”.

إن تقسيم معمار المنزل الأمازيغي الجزائري، حسب استنتاج بورديو، هو الذي أنتج ثقافة تبعية المرأة للذكر وولَد التراتبية والثنائيات المتضادة في السلوك الاجتماعي لديهما. من بين عناصر هذا التقسيم: باب للنساء مفصول ومحجوب عن الباب المخصص للضيوف الذكور الأجانب، والصالة المفتوحة على الضوء هي أيضا للذكور، والعلية المعتمة هي للإناث”.

كاتب من الجزائر

أزراج عمر

:: مقالات أخرى لـ أزراج عمر

:: اختيارات المحرر