السبت 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10816

السبت 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10816

نظرية جمعة

في السنة التالية، ينوي جمعة تفقّد استثماراته في الوطن، وحين يصل حاملا هداياه لابن عمّه، يرحّب به الأخير وينادي بأعلى صوته، “حضّروا الغداء للشيخ جمعة'.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2015/08/28، العدد: 10021، ص(24)]

كتبت قصة فيلم ذات يوم، عن مواطن عربي لا على التعيين، سمّيته “جمعة”، لأنه عاطل عن الإنتاج، عاطل عن الفرح، عاطل عن الأحلام، عاطل عن الحرية والإبداع، فتعطّل الفيلم، ولم يرَ النور، لأن المخرج كان عاطلا، رغم شهرته العالمية، ولأن المنتج كان مكتئبا، بعد أن تورّط في مسلسل عاطفي خاسر، فأصبح عاطلا هو الآخر.

واسم “جمعة” كان شريكا لذاكرتنا في الطفولة والصبا، فهو شخصية مهمة في حياة روبنسن كروزو، التي صوّرتها قصة دانييل ديفو ونشرت في العام 1719، وفيها يقرّر كروزو السفر مع سفينة لصيد العبيد وبيعهم في أوروبا، وقرب مصبّ نهر أورينوكو، على المحيط الأطلسي، تتحطم سفينته وتغرق، ليجد نفسه في جزيرة يعيش فيها شعبٌ من السكان الأصليين أكلة لحوم البشر، يقومون بطهي الأسرى الذين يقعون بين أيديهم. وفي يوم من الأيام، يفرّ منهم أسيرٌ كانوا سيشوونه ويلتهمونه، فيتلقّفه كروزو ويسمّيه “جمعة”، ليتحوّل إلى خادم “طوعي” له، سيأخذه معه، في ما بعد، إلى العالم المتحضّر، حيث ستشويه، بطرق أخرى، شعوب من أكلة الأخضر واليابس.

ومن قصة ديفو، اشتق الخبراء ما سمّوه بـ”اقتصاد روبنسن كروزو” الذي يفترض عالما فيه مُنتِجٌ واحد ومُستهلِكٌ واحد، هو كروزو ذاته، الذي يتصرف كمنتج لجوز الهند، على جزيرته، يعمل على مضاعفة أرباحه، وكمستهلك يحاول تقليص تكاليفه، لكن النظرية ترتطم بوجود شخص آخر في المعادلة، هو “جمعة”، الذي ومع أنه الخادم، إلا أنه يعدّ شخصا آخر، يمكنه اتخاذ بعض القرارات، وجمعة ذاك هو نحن، شعوب العالم الثالث، وقد مرّ ستيفن لاندسبيرج، عابرا، على هذا، في إحدى صفحات كتابه “تحدي البديهة ـ الحكمة غير المألوفة لعلم الاقتصاد” قائلا “لم يكن روبنسن كروزو ليفرّط في استهلاك النفط والثروات، بل كان سيتملّك ويخزّن المزيد منها من أجل أطفاله وأحفاده”.

أما النظرية الاقتصادية العربية فلا ترى كروزو بالمرّة، وتتلخّص في قصة “جمعة” آخر حقيقي، كان عاملا مياوما بسيطا في إحدى دول الخليج، قرّر أن يستثمر “تحويشة العمر”، فاشترى في إجازته السنوية، خمس غنمات، أوكل رعايتها وتسمينها لابن عمه، قبل أن يعود إلى غربته.

وفي السنة التالية، ينوي جمعة تفقّد استثماراته في الوطن، وحين يصل حاملا هداياه لابن عمّه، يرحّب به الأخير وينادي بأعلى صوته، “حضّروا الغداء للشيخ جمعة”، وحين ينتهي جمعة من تناول طعامه، يتنحنح محرجا، وهو يهمّ بالسؤال عن الغنمات.

يجيب الراعي الأمين “والله يا ابن العم، واحدة فطست من الحرّ” فيحمد جمعة ربّه على ما تبقى، ولكن ابن عمه يتابع “والذئب أكل واحدة”، فيبلع جمعة ريقه، ويواصل ابن العم حديثه “وواحدة أكلتها الضبعة”، فيأخذ الدم بالغليان في عروق جمعة، وينظر إلى ابن عمّه الذي يقول “وواحدة وقعت في البئر الشمالي، ولم نستطع إخراجها، فبقيت واحدة، ذبحناها لك، وها أنت قد أكلت لحمها وشربت لبنها الطازج قبل قليل”، يغضب جمعة ويحمل طاسة اللبن من أمامه، ويضرب بها رأس ابن عمّه، فيسيل اللبن الكثيف من على هامة الرجل الذي يأخذ بمسحه متمتما “الحمد لله، خرجنا من هذه القصة بالوجه الأبيض”.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر