الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

من المتضرر من الاعتذار

أغلبهم لا يدرك الفائدة الكبيرة من كلمة 'أعتذر' التي لا أحد يتضرر منها، ولا تنقص من شأنه ولا تحط من كرامته، بقدر ما تؤسس للألفة والمحبة بين الناس.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2015/09/04، العدد: 10028، ص(21)]

هل جبلنا نحن العرب على ثقافة فرق تسد، وأصبحت قلوبنا لا تتسع إلا للأحقاد والرغبة في الانتقام والثأر من الآخر، كيف تحول السلام إلى انتقام، هل جفت أفئدتنا من معاني التسامح والعفو عند المقدرة.

أليست مشاهد العنف التي تتكرر يوميا في مجتمعاتنا، وعلامات الجوع والمرض والألم واليأس على وجوه الأطفال والصور المؤلمة للرضع والنساء وهم يعانون ويلات الحروب والاضطرابات دون أن تحرك الأطراف المتصارعة على الحكم في بلدانهم أي ساكن، أكبر دليل على أن التغيير المرتقب لا يختلف كثيرا عن واقع الحال، بل هو مجرد صراع من أجل تبادل المناصب والأدوار بين أشخاص متشابهين في الأفعال والأقوال.

أي صيغة استعارية سأصف بها من يسكن المنازل الفاخرة وينعم بخيرات الدنيا وملذاتها، وطعم المرارة يخنق الملايين من المشردين والمهجرين الذين ضاقت بهم أوطانهم فتركوها وهاموا في الدنيا بحثا عن مصير مجهول.

أي منطق بليد وعقول ملبدة بالشر أصبحنا نستند إليها في أفعالنا وأقوالنا وفي تعاملنا مع غيرنا؟ هل نضبت عواطفنا وأصبحت قلوبنا مجرد مضخات بلا مشاعر ولا حس إنساني؟

للأسف ما نعاني منه اليوم في مجتمعاتنا من صراعات وحرمان وفقر وبؤس، ليس ناتجا فقط عن أنظمة دكتاتورية، بل مرده أيضا انحسار فظيع في القيم الإنسانية وتمزق في نسيج العلاقات الاجتماعية.

وذلك ناتج بدوره عن سوء الأساليب التربوية لأغلب الأسر العربية التي لا تعلم الأجيال ثقافة التكافل الاجتماعي والتسامح مع الآخرين واحترامهم، وتقديم يد العون للفقراء والمحتاجين، حتى وإن كانوا مختلفين عنا في عرقهم أو جنسيتهم أو لغتهم أو دينهم، بل على العكس يتلقى الأطفال منذ نعومة أظفارهم دروسا في الكره والانتقام واللامبالاة، وتشحن قلوبهم وعقولهم بالأفكار البغيظة، التي تكون سببا في عقوقهم تجاه والديهم أقرب الناس إليهم، فما بالك ببقية أفراد المجتمع.

وقد شهدت، على سبيل المثال لا الحصر، عدة مواقف لردات فعل بعض أصدقائي وأقاربي عن خصومات أطفالهم مع أقران لهم، إما من الجيران أو المدرسة، فعوض أن يحثوهم على كيفية تجاوز خلافاتهم البسيطة والاعتذار إلى أصدقائهم إن كانوا هم من المخطئين في حقهم، على العكس أقاموا الدنيا وأقعدوها من دون أن يعرفوا حتى من الظالم ومن المظلوم.

وفي أغلب الحالات اشتعلت الحروب الكلامية وكثر السباب والشتم بين أسر الأطفال، وعوض أن يحاول الآباء تهدئة أطفالهم وسؤالهم بكل مرونة عن أسباب المشكلة، والطلب منهم في النهاية تقديم الاعتذار لبعضهم البعض لتلطيف الأجواء بينهم، زادوا الأمور تصعيدا وأججوا نار الكره والضغينة في نفوس الصغار.

وكم من العلاقات الطيبة بين الجيران والأقارب والأصدقاء تنتهي بهذه الشاكلة، وبسبب خلافات بسيطة بين الأطفال وربما تافهة، لأن الأسر تجهل قيمة ثقافة الاعتذار والتسامح مع الآخر لتعلمها لأبنائها.

أغلبهم لا يدرك الفائدة الكبيرة من كلمة "أعتذر" التي لا أحد يتضرر منها، ولا تنقص من شأنه ولا تحط من كرامته، بقدر ما تؤسس للألفة والمحبة بين الناس، وتمتن أواصر العلاقات بين الأفراد والمجموعات، على عكس الخلافات والخصومات التي لا طائل من ورائها غير الصراعات والتطاحنات التي تساهم في تشتيت الأسر وتفكيك المجتمعات.

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر