الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

انفجار سيدنا

أيُّ صبرٍ هذا الذي يجعل المرء، اليوم، يكبت غضبه على الجهل والرداءة والانحلال والفساد والاستبداد والإرهاب والتطرف والغباء.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2015/09/04، العدد: 10028، ص(24)]

كان اسمه يوباب بن زراح، وكان أحد ملوك أدوم، كما قالت الكتب القديمة، أما ابن عساكر وابن كثير، فقالا إن اسمه أيوب بن موص بن رعويل بن العيص.

وسواء كان يوباب أم أيوب، أو كان اسم والده زراح أم موص بن العيص، فقد رآه ربّه متحمّلا لطيفا مستقيما طويل البال، فقال لنجرّب الرجل أكثر، فابتلاه أكثر، فصبر أكثر، حتى ضُربت به الأمثال، وكان كلّما حمّل وكوّم عليه صنوف الأزمات، وجدها أمرا جيدا وشَكَر. ولم يفكّر كثيرون، لمَ كان هذا الرجل، يفعل ما يفعله؟ وما الذي كان يدور في خلده؟ أم أنه كان قليل الحسّ، بطيء الانفعالات، عديمها ربما، حتى أنه لم يكن يحرّك ساكنا مهما تدهورت أموره.

أطرف وأبلغُ ما في قصة أيوب، تلك المؤامرة التي عقدها الربّ مع الشيطان على أيوب، فقد ورد بالحرف في القصة الحقيقية لا في أساطير المفسّرين، أنه وفي ذات يوم “قال الرب للشيطان: هلّا جعلتَ قلبكَ على عبدي أيوب، لأنه ليس مثله في الأرض، رجلٌ كاملٌ ومستقيمٌ يتقي الله ويحيدُ عن الشر؟ فأجاب الشيطان: هل مجانا يتّقي أيوب الله؟ أليس لأنك سيّجتَ حولَه وحولَ بيته وحولَ كلّ ما له من كل ناحية؟ ولكن ابسطْ يدكَ الآن ومُسَ كلّ ما له، فإنه في وجهكَ يجدّفُ عليك، فقال الربّ للشيطان: هو ذا، كلّ ما له في يدكَ”، وبدأ الامتحان.

أحاول تصوّر ما عاناه المسكين بصريا، فعندما أخذت الأخبار السيئة تتالى على أيوب، قام “ومزّق جبّته، وجَزَّ شعر رأسه”، ولكن المؤامرة استمرّت، ووصلت إلى جسد أيوب، حتى مرض واشتد بلاؤه، فانفجر الرجل غاضبا، كما ورد في الإصحاح الثالث من سفر أيوب “فتح أيوب فاه، وسَبَّ يومَه، وأخذ يتكلم فقال: ليتَهُ هَلكَ اليومُ الذي ولدتُ فيه، والليلُ الذي قال قد حُبل فيه برجل، ما هي قوّتي حتى أنتظر؟ و ما هي نهايتي حتى أصبّر نفسي؟ هل قوّتي قوّة الحجارة؟ هل لحمي نحاس؟”.

وفاق الرجل ما بحسبان الذين سيأتون من بعده، ليرووا حكايته، وأخذ يخاطب ربّه “قد كرهتْ نفسي حياتي، أسيّبُ شكواي، أتكلم في مرارة نفسي، قائلا لله: فهّمني لماذا تخاصمني؟” لنقضي اثنين وأربعين إصحاحا من الندب والشكوى على لسان أيقونة الصابرين، الذي ياما حدثونا عن تحمّله، وزوّروه لنا على أنه أسطورة المنتظرين إلى أبد الآبدين حتى تتغيّر أحوالهم، لكن هذا لم يكن إلا كذبا في التأويل، وإيهاما بلا حدود، للهيمنة على العقول.

كتب عنه محمود درويش “أيوب صاح اليومَ ملء السماء، لا تجعلوني عبرة مرتين”، وقال عنه السياب “ولكن أيوب إن صاحَ صاح: لك الحمدُ إن الرزايا ندى” أما عبدالرزاق عبدالواحد فقال في شعره “يا صبرَ أيوب، حتى صبرُه يصلُ/ إلى حُدودٍ، وهذا الصبرُ لا يصلُ”. أيُّ صبرٍ هذا الذي يجعل المرء، اليوم، يكبت غضبه على الجهل والرداءة والانحلال والفساد والاستبداد والإرهاب والتطرف والغباء؟

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر