الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

سياسيو العرب السنة أوراق مشتتة في بحر مضطرب

من ادعى تمثيل العرب السنة لا يقل تورطا بالفساد عمن ادعى تمثيل العرب الشيعة. فالطائفتان العربيتان واجهتا ذات المصير المرير رغم تفاوت واختلاف مظهرية الظلم ووسائله.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2015/09/08، العدد: 10032، ص(8)]

لعل أبرز ما قدمته التظاهرات الشعبية التي تدخل شهرها الثاني وسط وجنوبي العراق ضد الأحزاب والكتل الحاكمة أنها وفرت بيئة للمكاشفة والصراحة بين الجمهور وحكامه بعد ثلاثة عشر عاماً من الفساد والخديعة والنهب العام، وتهاوت تلك المقدسات المطلقة للتفويض التي استخدمتها تلك الأحزاب وحرمت بواسطتها المواطنين من حقوقهم المشروعة في امتلاك الثروة من أجل حياة حرة كريمة.

ما حصل هو حركة شعبية مهمة لن تتمكن القوى السياسية الحاكمة من إخمادها وتعطيلها مهما استخدمت من قدرات ووسائل لا تستطيع تنفيذها مثلما نفذتها ضد التظاهرات والاعتصامات في المحافظات العربية السنية عامي 2012 و2013 بسبب الدعم المعنوي الذي تقدمه المرجعية الشيعية لجمهورها من المتظاهرين إلى حد الآن، ولم تقدمه لمظاهرات الأنبار وصلاح الدين ونينوى وديالى وكركوك، بل غضت الطرف حينما قمعها الحاكم السابق نوري المالكي بالرصاص. وكانت النتيجة أن تلك الساحات وظفتها قوى التطرف لمصالحها المعادية لأماني أبناء العرب السنة أنفسهم.

المهم أن تصبح المظاهرات الحالية ذات شعارات تستهدف كشف ومواجهة أصل الأزمة في العراق، ولا تدعو إلى إصلاح إداري فحسب رغم أهمية هذا الشعار، بل إلى ثورة إصلاح سياسي يربط الأسباب بالنتائج، ويكشف هزالة النظام السياسي الذي هندسه الاحتلال القائم على المحاصصة الشيعية السنية الكردية، وإن الفساد وداعش المحتل لثلث أرض العراق واحتمالات انهياره مالياً في أكتوبر القادم هي نتائج لما قدمته أدوات هذا النظام. فمن ادعى تمثيل العرب السنة لا يقل تورطاً بالفساد عمن ادعى تمثيل العرب الشيعة. فالطائفتان العربيتان واجهتا ذات المصير المرير رغم تفاوت واختلاف مظهرية الظلم ووسائله.

العرب السنة واجهوا منذ عام 2003 حملات سياسية وأمنية مقننة استهدفت بالقتل والاعتقال والتهجير ونزع حق المواطنة عن ملايين المواطنين ونخبهم في ظل أكبر عملية تزوير مارستها قيادة الاحتلال الأميركي في التمثيل السياسي (السني) لاستكمال المثلث الطائفي، فقد حسمت قيادة الاحتلال الأميركي مسألة حكم العراق للأحزاب (الشيعية) منذ مؤتمر لندن أواخر ديسمبر 2002، وكان من أهم متطلبات مشروع الحكم الطائفي استكمال المثلث بعد وصول القوات الأميركية العراق عن طريق استقدام خليط من العرب السنة غير متجانسين لا صلة لهم بالعمل السياسي أو ليسوا قادة سياسيين، واستبعدوا الكثير من الشخصيات الوطنية التي عارضت نظام صدام وهي غير طائفية وبعضها رفض المجيء مع الاحتلال، في حين أن آخرين من بينهم قادة في الحزب الإسلامي العراقي ذي الامتداد الإخواني المعروف، سهلوا للحاكم الأميركي بول بريمر مهمة بناء هيكل النظام الطائفي الجديد، ولولاهم لفشلت تلك المهمة الخطيرة.

العرب السنة واجهوا منذ عام 2003 حملات سياسية وأمنية مقننة استهدفت بالقتل والاعتقال والتهجير ونزع حق المواطنة عن ملايين المواطنين ونخبهم

ومنذ ذلك التاريخ عزلوا أنفسهم عن الشعب، ومرروا لعبة الانتخابات مع زملائهم في الأحزاب الشيعية. وخلال هذه السنوات العجاف لم يكترث أولئك الذين نصبوا أنفسهم قادة وزعماء ببقاء آلاف المعتقلين والمعتقلات من أبناء جلدتهم يواجهون التعذيب والموت وهم أبرياء، وكذلك تشريد عشرات الألوف من منتسبي الجيش الوطني العراقي، وصادقوا على وثيقة الدستور عام 2005 الذي رفضته ثلاث محافظات عربية سنية، ولو كانوا مخلصين لشعاراتهم لاحتجوا وانسحبوا من العملية السياسية وانحازوا إلى جماهيرهم المزعومة، لكنهم سوقوا أكذوبة “بقائهم من أجل تقليل الأضرار عن العرب السنة” ولا نعرف أي تخفيف للضرر حققه هؤلاء أكثر من الكارثة التي يعيشها من يدعون تمثيلهم.

من جهة أخرى فإن الكتل البرلمانية السنية لا تجمعها مرجعية مذهبية أو سياسية واحدة مثلما عليه الأحزاب الشيعية، تتناقض بين أفرادها المصالح والغايات ولهذا تجد كل صاحب كتلة يجد في نفسه ممثلا للعرب السنة والقائد الضرورة، ويسعى بجميع الوسائل المشروعة وغير المشروعة لإسقاط غيره. هناك فصائل تنتسب إلى هذه الطائفة اختارت المقاومة المسلحة وهي أكثر نزاهة من جميع المرتمين في حضن العملية السياسية والذين تاجروا بعناوين المقاومة حين كانوا يدسون شعارات المقاومة المسلحة في ملفات طلبات الدعم من دول الخليج كتزكية لهم لكي يقبضوا المقسوم لهم وحدهم، وينشب عراك الفنادق نتيجة الاستحواذ الفردي.

ولو توفر في العراق الآن قضاء نزيه، وهو أمر مستبعد، لانكشفت أقذر فضائح القرن في العالم. صحيح سنجد ضآلة المبالغ المسروقة من قبل مدعي زعامات العرب السنة قياساً مع تلك المسروقة من قبل ممثلي الأحزاب الشيعية في الحكومة، فلكل حصته على مقدار حجمه ونفوذه في الحكم.

السياسيون السنة اشتغلوا على وزارات “مربحة” لتمرير العقود والصفقات، وتحول أولئك الجائعون إلى صفوات الأغنياء في العالم من سرقة خبز الشعب. واختار هؤلاء امتلاك فضائيات ومواقع أنترنت لتدافع عن سرقاتهم وتلمع وجوههم، ولكي لا يخضعون لابتزاز أصحاب الفضائيات الكبيرة التي وجدت في مهنة الإعلام الحر ميداناً للكسب الرخيص، في حين يتعفف بعض ممن يمتلكون فضائيات منذ سنوات طويلة أن يجعلونها ميدانياً لتسويق شخصياتهم أو للدفاع عن ميدانهم التجاري.

اليوم المرحلة مختلفة وهناك معطيات فرضتها انتفاضة هذا الشعب الجبار من محافظات الوسط والجنوب، مهما تم تحجيمها من قبل رأس السلطة حيدر العبادي، أو اللعب الماكر للأحزاب الحاكمة المذعورة، حيث تم تمزيق غطائيْ “الجمهور والدين” اللذين لعبت بهما لثلاثة عشر عاماً، لكن هناك توقعات كثيرة ومن جهات عدة من داخل البيت الشيعي للحفاظ على السلطة من الضياع، أهمها استبدال تلك القيادات الشيعية التقليدية عن طريق وثوب قوى الميليشيات، لكنها تحتاج إلى استحكمات جيوسياسية تشتغل عليها إيران من الخلف لكي لا يتفجر الشارع الشيعي بصدامات دموية.

أما الزعامات السنية فتعيش حالة مريرة بعضها يلجأ إلى الأصدقاء الخليجيين لعقد مؤتمرات لا جمهور لها، تسعى لـ“إقليم سني” بائس يصبح بيئة للتنازع والاحتراب بين قياداته، حتى وإن تم دعمه من هذه الدولة أو تلك، والبعض الآخر يجد في العملية السياسية القائمة ملاذه الوحيد والأخير، ويحاول من خارج موقع الحكومة الذي نحي منه العودة إلى رفع شعارات “المظلومية” لجمهور رفضه، فثلاثة ملايين نازح سني يشكلون أكبر انتفاضة بوجوه هذه الزعامات، ولم تبق أمامها سوى الرحلة إلى عواصم خزائن أموالها المسروقة لعلها تحميها من غضب الشعب وعقاب الله.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر