الاربعاء 28 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10675

الاربعاء 28 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10675

هنا داعش من زوارة

وحدها التنمية الاقتصادية والاجتماعية متبوعة بالديمقراطية التشاركية هي القادرة على الحيلولة دون نجاح 'الإعلام والإعدام الداعشي' في الولوج إلى الأفكار والأقطار.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2015/09/10، العدد: 10034، ص(8)]

يمثّل الإعلام إعلان كينونة ووجود، وتشكل الرسالة الإعلامية عنوان فاعلية ضمن منظومة اتصالية قوامها الباعث والمتقبل.

اليوم يعلن تنظيم داعش الإرهابي عن نفسه وعن وجوده وتمركزه على تخوم الحدود التونسية عبر بيانات “تكفيرية” انطلاقا من إذاعة محلية اسمها “البيان” واقعة على بعد 60 كيلومترا فقط من المركز الحدودي “رأس الجدير” الفاصل ترابيا بين ليبيا وتونس.

العلاقة بين “الإعلام” و”الإعدام” عضويّة وتلازمية في منظومة تحرّك داعش، ذلك أنّه كثيرا ما وظّف التقنيات الحديثة لإعلان مسؤوليته عن أعماله الإجرامية بحق البشر والشجر والحجر، بيْد أنّه في هذه المرّة يجنّد ويجيّر الوسائط الإعلامية للتحضير لمخططات كبرى في شمال أفريقيا عامة، قد تصل إلى حدّ إسقاط الحدود البرية بين تونس وليبيا كما فعل التنظيم بين العراق وسوريا الصائفة الماضية.

الخطير لا يكمن فقط في مجرّد الإعلان عن التمركز على الحدود التونسية والليبية، وإنما فيما يخفيه هذا الأمر من تحضير لعمليات إرهابية، ومن إيقاظ للخلايا النائمة في تونس، ومن استعداد لتنفيذ مخططاته التوسعية القائمة على قضم جزء من الجغرافيا العازلة الرابطة بين غرب ليبيا وجنوب شرق تونس، ذلك أنّه ليس من عادة داعش الدخول في حروب قذرة قبل استنفار خطوط الدفاع والهجوم الأولى.

بنجاح داعش في التمركز بمدينة “زوارة”، التي لعبت أدوارا جسيمة ودفعت أثمانا باهظة خلال انتفاضة فبراير 2011، تكون تونس قد خسرت الحرب الاستباقية في مواجهتها ضدّ التكفير والتكفيريين عامّة، بفعل أخطاء وخطايا النهضة والترويكا في حقّ تونس والتونسيين، وانخرطت نهائيا في الحرب الدفاعية ضدّ الدواعش.

تونس اليوم، تدفع فاتورة سياسة التقرّب من التيارات التكفيرية خلال السنوات الأولى من عمر ثورة يناير 2011، حيث فتح سياسيو الترويكا قصر قرطاج لأنصار ومؤيدي تنظيم “القاعدة” واعتمدت حكومتا النهضة الانفتاح الكامل على التيارات التكفيرية وعلى رأسها “أنصار الشريعة”، وأغمضت عيناها على هجرة الشباب من السلفيين الجهاديين إلى سوريا والعراق للانضمام لـ“الجهاد” المقدس.

فأن يكون إرهاب بعض التونسيين يضرب بقوّة في الشرق الأوسط، فذلك مؤشر واضح ومقدمة موضوعية لأن يضرب ذات الإرهاب في قلب تونس، وهي الحقيقة التي اقتنصتها وزارة الداخلية التونسية من خلال بيانها التحذيري الأخير الذي ينبّه لمخاطر إرهابية محدقة بالبلاد.

غير أنّ اللافت في هذا المفصل التفسيري كامن في تهديد داعش بدخول الجنوب الشرقي التونسي، وتجنبها لاحتلال الجزء الغربي من مصر على الرغم من التمركز القوي للتنظيم على الحدود المصرية وخاصة في مدينة “درنة” وفي أجزاء واسعة من محافظة بنغازي.

مفارقة قد نجد تحليلها في الخطأ الإستراتيجي الذي قام به الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي الذي أقرّ بأنّ هجوما ثانيا على غرار هجوم سوسة سيؤدي إلى سقوط الدولة، وهو تصريح نعتبر أنّه، إلى جانب عوامل اجتماعية واقتصادية أخرى، شجّع التكفيريين على التوجه إلى تونس الضائعة في غياهب الملفات المستعصية والمحترقة في أتون المطلبية المشطة وفي أوار الدولة الضعيفة والفقيرة، عوضا عن استهداف مصر التي تعرف استنهاضا اقتصادية واجتماعيا بفعل تأصيل مشروع نهضوي لن يزيده الإرهاب سوى المزيد من الالتفاف الشعبي.

تونس اليوم لم تعد في حاجة إلى سواتر ترابية لحماية حدودها من إرهاب داعش الذي يجري بنسق أكثر سرعة من نسق الدولة على الاستباق والدفاع، ويسري في عقول الشباب الضائع والعاطل بدفق أعلى من كافة أفكار الاعتدال ومنظومات الانفتاح والوسطية.

وحدها التنمية الاقتصادية والاجتماعية متبوعة بالديمقراطية التشاركية هي القادرة على الحيلولة دون نجاح “الإعلام والإعدام الداعشي” في الولوج إلى الأفكار والأقطار.

صحيح أنّ “الغوبلزية” الداعشية متطورة تقنيا وتؤثر نفسيا في منظومة التفاعل الهشة للشاب العربي، ولكنّ الصحيح أيضا أنّ الغوبلزية التي تبثّ الوهم وتنشر الإيهام تنجح عند فقدان الشاب للأمل والحلم، وهي تظفر بضحايا جدد كلّما تواصل الفشل في الدول العربية، وكلّما تساوت الحياة والممات في جغرافيا الدم والفوضى.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر