الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

أناقة العقل

يعتقد الناس أن “النسبية” تحكم وتمايز آراءهم عن قواعد العمل، غير أن الذراع التي لواها آينشتاين، كانت هي الدرس الذي جعل الأعمى، يشغّل عقله قليلاً ويفكّر باللبن.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2015/09/11، العدد: 10035، ص(24)]

ما يزال ألبيرت آينشتاين أكثر العلماء تقديراً بين البشر، رغم مضي وقت طويل على رحيله، إلا أنه حاضر في الحياة، لأنه مزج الفيزياء بالتفاصيل اليومية للإنسان، فذات مرة، كان آينشتاين يقضي الوقت مستمتعاً بلقاء الأصدقاء في حفل عام، فسألوه أن يشرح لهم نظرية النسبية، التي اشتهر بها، فقال “مشيتُ مرة مع رجل أعمى، فقلت له: أنا أحب اللبن، فسألني الأعمى: جيد، ولكن ماهو اللبن؟ فقلت: إنه سائل لذيذ أبيض، فقال الأعمى: ممتاز، ولكن ماذا تعني بقولك “أبيض”، فقلت: إنه لون ريش البجع، فقال الرجل: البجع! قلت: هو طائر جميل رقبته طويلة ملتوية، فقال الأعمى: أعرف الرقبة، لكن ما معنى “ملتوية”؟ حينها أخذتُ ذراعه ولويتها بقوّة، فأخذ يتوجّع ويصرخ، فقلت له: هل عرفت الآن معنى ملتوية؟ فقال: نعم وعرفتُ ما هو اللبن أيضاً”، وسأل آينشتاين أصحابه عندها: هل عرفتم ما معنى النسبية؟

ولا يطيق البشر، بفطرتهم، التفكير بالاتساق مع العمل، لأن جوهر العمل قائم على الإكراه، فالكائنات تفضّل الخمول وأن يصلها رزقها، وهي مسترخية، لا تحرّك ساكناً، والكثيرون ما تزال العقلية الانفعالية الفوضوية تحكم سلوكهم، فيعتقدون أن الانضباط مع إيقاع القواعد، هو نوع من الخضوع.

لكن دروس الحياة، لم تعد تأتيك من الكتب، أو الجامعات، أو مراكز الأبحاث، أو من تجارب الإنسان ذاتها التي يربح فيها أو يخسر، بل أصبحت كل وسائل الاتصال والفنون، جسوراً للتعلّم، وكثيراً ما تعلّمتُ شخصياً من السينما، أو من الأعمال التلفزيونية، وأحياناً من أسماء الأغاني، وأحياناً من تفاصيل لوحات الرسامين، أو حتى من بائع سبحات جوّال في شوارع المدينة.

الممثلة الأسطورة ميريل ستريب، اختارت أن تدخل في عمق مشاكل الناس العملية، حيث المدير والموظف، في فيلمها المدهش “الشيطان يرتدي برادا”، وبرادا هي إحدى أهم العلامات التجارية الإيطالية العريقة في عالم الموضة والأزياء، حيث كانت ستريب ميرندا بريسلي، مسؤولة عن مجلة تهتم بالأزياء، ومن أجل ذلك قامت بخلق عالم منسجم ودقيق، يحترم المهنة التي يتوجّه إلى الناس بها، مؤمنة أن عليه أن يكون لائقا بما يقدّمه في تلك المجلة، وبالتالي كان على الكادر المهني أن يحترم الأزياء وفلسفتها، ويعرف أنها ليست مجرد “أغراض” للبيع والشراء، ليظهر هذا في زي وسلوك الموظفين والموظفات مهما اختلفت تخصصاتهم.

ويسوق القدر لميرندا، مساعدة جديدة، فتاة قادمة من عالم الإنسان الحديث الفوضوي، تهمل مظهرها، وتتصرف بعفوية، ليشهد الفيلم على تلك العلاقة بين المرأتين، تضغط ميرندا، وتذهل آندي آن هاثاواي، مما تعتقد أنه ديكتاتورية ميرندا، لتكتشف مع الوقت، أن الدقة واحترام المهنة كانا أساس نجاحها، لكن كان على آندي أن تتحلى بالصبر وضبط النفس ورفض الفشل، وتتغيّر شكلاً ومضموناً، وهي تراقب رئيستها المختلفة عن الآخرين المترفعة على بدائيتهم، والتي نالت عن الفيلم جائزة الغولدن غلوب كأفضل ممثلة.

يعتقد الناس أن “النسبية” تحكم وتمايز آراءهم عن قواعد العمل، غير أن الذراع التي لواها آينشتاين، كانت هي الدرس الذي جعل الأعمى، يشغّل عقله قليلاً ويفكّر باللبن.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر