السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

أمة اقرأ.. لا تقرأ

تمّكن الاستبداد الذي حكم الشرق العربي طويلا، من تحقير القراءة والثقافة في نظر العامّة، كي تزداد الفجوة ما بين القاعدة والنخبة.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2013/10/17، العدد: 9351، ص(24)]

لم يترك عنوانٌ صحفي أثرا من الغبطة في نفسي، كما فعل هذا العنوان "أمّة اقرأ لا تقرأ" الذي نشر على صفحات إحدى الصحف اللبنانية قبل سنوات، ولعلي أشعر بالقليل من الحسد أو الكثير منه والاحترام بالطبع، لمن التقطه ذات يوم، من فضاء الأمة العربية والإسلامية، التي كانت أولى الكلمات التي أوصيت بها "اقرأ" وآخر ما تفكر فيه اليوم هو أن "تقرأ"، فكيف يمكن لأمّة النجاةُ من أعاصير السياسة التي تعصف بالمنطقة والعالم عبر القرون، وهي لا تريد أن تتعب نفسها بالمعرفة؟ وماذا سيكون مصير الجهلة ما دام غيرهم يتعلّم ويعرف الكثير وهم يغرقون في التكاثر، بكل معانيه، المال والعديد، دون النوع والكيف؟

وقد تمّكن الاستبداد الذي حكم الشرق العربي طويلا، من تحقير القراءة والثقافة في نظر العامّة، كي تزداد الفجوة ما بين القاعدة والنخبة، حتى انتقلت العدوى للنخبة ذاتها، فأصبحت ذات ثقافة عابرة سريعة وظيفية، تقرأ كي تكتب، وتقرأ كي تتحدث في المجالس والندوات والمقاهي، بينما عزف سواد الناس عن القراءة والاستزادة إلا عبر الصحف والمواقع الإلكترونية المبسّطة، والكثيرون قصروا قراءاتهم على بوستات الفيسفوك القصيرة وربما تغريدات التويتر.

ولم يكن هذا مقتصرا على الشعب ونخبته، فقد هجر القراءة كوكبةُ حكّام الشرق والمتسيدون عليه، وطواقمهم الحكومية، ففي العراق وفي عهد حكم عبدالرحمن عارف (الذي كان العراقيون يلقبونه وقتها بـ "الخَروف") قام البروفيسور قرني دورمجي، الذي كان يتقن اللغة الإنكليزية بفضل دراسته في الغرب، بترجمة رواية جورج أورويل "مزرعة الحيوان" إلى العربية، والرواية الشهيرة لمن لا يعرفها تتحدّث عن المجتمعات البشرية ولكن بإسقاط على مزرعة تعيش فيها الخيول والدجاج والخنازير تحت حكم السيد المالك، وبعد طباعة الرواية ونشرها أرسل دورمجي نسخة منها (كهدية) إلى ديوان رئاسة الجمهورية، فجاءه بعد أيام كتابُ شكر وثناء من ديوان الرئاسة، جاء فيه: "نشكر لكم عظيم جهودكم التي تبذلونها في سبيل تطوير الثروة الحيوانية بالعراق"!.

ولما استبدّ الحكّام بالناس، هجروا "اقرأ" دينية كانت أم غير دينية، فيُروى أن الحجّاج قال يوما لرجل :"اقرأ لنا شيئا من القرآن يا هذا"(وكان الحجّاج معلما للقرآن الكريم في الطائف) فقرأ الرجل الآية: "إذا جاء نصر الله والفتح، ورأيت الناس يخرجون من دين الله أفواجا.." فقاطعه الحجاج مصحّحا: "بل يدخلون في دين الله أفواجا"، فقال الرجل:"كان ذلك قبل ولايتك أيها الأمير!" ولا نحتاج إلى الكثير من التفكير لمعرفة مصير الرجل الذي قرأ للحجّاج ما يجب أن يقرأه له.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر