الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

فرصة أخيرة لتأجيل الحج هذا 'الموسم'

أيهما أحق بالإنفاق.. حج للمرة الثانية أو العاشرة؟ أم منع الموت بمساعدة أسرة سورية ليس لها ذنب في تحمل نتائج إحدى الثمار المرة لدكتاتورية البعث؟.

العرب سعد القرش [نُشر في 2015/09/15، العدد: 10039، ص(9)]

أطنان الصفحات والأحبار المهدرة تقود الكاتب أحيانا إلى اليأس، إذا أعرض عنها مسؤول جاهل لا تعنيه القراءة، يتجاهلها لكي يحصن نفسه من الشعور بالدونية، وإذا صادفت الكتابة مسؤولا يعي ولا يبالي، استعلاء بوهم المعرفة. كلاهما ينتمي إلى سلالة معاوية القائل “لا أحول بين الناس وألسنتهم، ما لم يحولوا بيننا وبين سلطاننا”. هؤلاء هم الراسخون في الاستبداد العسكري والأمني، فتعس الكاتب والمكتوب.

أما المبتدئون في الاستبداد ذي الطابع القبلي العشائري، فيرون الكتابة خطرا لا يقل عن “العيار الناري”، إذا لم يصب الهدف فلابد أن “يدوش”، يحدث جلبة وصداعا كما يقول المثل المصري. ولهذا يطارد الكتاب ويضيق عليهم في أرزاقهم، ولا مانع من صدور حكم “قضائي” بسجن كاتب بسبب رأي ولو في صحيفة محدودة الانتشار، أو قصيدة ينال فيها شاعر من “صورة” أمير سابق.

انفرد النوعان السابقان بالسفور في الاستبداد، ثم زاحمتهما بنصيب أكبر من الفجور مواقع التواصل الاجتماعي، نوع جديد من الاستبداد الشعبوي الزاعق، في طغيانه الوطني أو الديني، ولا يستطيع الكاتب الإلمام به أو الرد عليه ومناقشته، فأصحابه يطلقون قذائف الاتهام باتجاه واحد، ليسوا راغبين في “فقه”، ولا مؤهلين لنقاش، توجّههم أحيانا كتائب تابعة لأجهزة أمنية أو تنظيمات إرهابية، وأحيانا يتطوع بالاتهامات متطرفون من الجانبين، فلا يكاد الكاتب ينشر رأيا يخالف السائد، حتى تلاحقه تهمة التكفير الوطني أو الديني، مصحوبة بحد أقصى من شتائم لا تتفق مع جلال الدين، ويتنافس في السباب محبطون فاتهم التحقق، ومتشددون لم يعلمهم أحد أن الإسلام دين معجزته العقل، حتى أن أحدهم رفع لافتة مكتوبا عليها “سنقطع رأس كل من يزعم أن الإسلام يدعو للعنف”، في مظاهرة أمام السفارة الأميركية بالقاهرة في سبتمبر 2012، ردا على إنتاج فيلم مسيء للرسول، ضمن موجة غضب في عدة دول، أدت إلى قتل السفير الأميركي كريستوفر ستيفنز وثلاثة من موظفي السفارة في هجوم على القنصلية الأميركية في بنغازي.

لا أطلق فتوى، ولكني أؤيد ما ذهب إليه فقهاء، بأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وأتفق مع المثل المصري “اللي يحتاجه البيت يحرم على الجامع”، فأرض الله واسعة، وجعلها الله للصلاة مسجدا وطهورا. وأعلم أن أركان الإسلام خمسة، منها الحج لمن استطاع إليه سبيلا. هي أركان الإسلام لا أركان المسلم الذي ربما لا تتيح له علة صحية أن يصوم، وضيق ذات اليد أن يحج، ولكنه يظل صحيح الإسلام بثلاثة أركان.

وفي ظل موت محقق يلتهم الفارين من حروب الطوائف الأهلية، ضحايا الاستبداد العسكري والطائفي، يكون ابن تيمية وفقهاء الحنابلة على حق، إذ ذهبوا إلى أن الجهاد أفضل من الحج، بل أفضل ما يتطوع به من الأعمال. ولا أقل من الجهاد بتغيير مسار مليارات تنفق على “موسم الحج”، ولا عائد ماديا لها إلا في خزائن لا تفيد المسلمين المنكوبين، في حين جاء في الآية “ليشهدوا منافع لهم”، سابقا على “ويذكروا اسم الله في أيام معلومات”. بعضهم يحج للمرة العاشرة، وبعضهم يضطر إلى الاستدانة رغبة في أداء الفريضة. ويشهد موسم الحج في مصر عمليات للفساد من بيع التأشيرات، إلى الحج على نفقة الدولة لا من حر مال المسلم.

أستعين بتفسير ابن كثير وهو ينقل عن ابن عباس أن قوله تعالى “ليشهدوا منافع لهم” يعني منافع الدنيا والآخرة، “أما منافع الآخرة فرضوان الله تعالى، وأما منافع الدنيا فمما يصيبون من منافع البدن والذبائح والتجارات”. ووفقا للأرقام الرسمية فإن فاتورة حجاج مصر هذا العام تزيد على 2.6 مليار جنيه، تكفي لإيواء السوريين ضحايا الاستبداد والطائفية ممن لجأوا إلى مصر، ويتم التضييق عليهم من ثلاث جهات، مع التغاضي عن ثغرة مفتوحة على الموت في ظلمات البحر المتوسط. فأيهما أحق بالإنفاق.. حج للمرة الثانية أو العاشرة؟ أم منع الموت بمساعدة أسرة سورية ليس لها ذنب في تحمل نتائج إحدى الثمار المرة لدكتاتورية البعث؟

يحتاج الأمر إلى فتوى شجاعة تستلهم روح الدين، ولا تتورع عن التصالح مع اتجاه صوفي يقصيه الفقه السلفي، وتعترف بأن “الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق”، وأن النفس البشرية أكثر حرمة وقداسة من الكعبة التي تعرضت للعدوان في التاريخ الإسلامي، دون أن يهدم الدين أو أحد أركان الإسلام، فقد أمر عبدالملك بن مروان بقتل عبدالله بن الزبير، أول مولود في الإسلام. قتلوه وصلبوه، فماتت أمه أسماء ذات النطاقين بنت الصديق حسرة عليه، واحترقت الكعبة التي شهدت تراجيديا أخرى، حين قتل القرامطة مصلّين أبرياء، وانتزعوا الحجر الأسود، واغترب 22 عاما.

تحتاج هذه الفتوى إلى رجل دين شجاع، يقنع المصريين بأن لا منافع مادية لهم في الحج، وأن الأولى أن يوجهوا هذه المليارات لإغاثة الموشكين على الموت غرقا.

أعلم أنها مغامرة، ولكن العائد الإنساني يستحق، وقد نالني منه ما نالني، حين كتبت مقالا عنوانه “المصريون يكتشفون الله”. سجلت فيه أنه لا يتبقى أمام من انسدت في وجهه أبواب الأمل إلا الهوس بتدين شكلي لا يؤثر في السلوك، ولا يرتقي بالذوق الذي سمعنا منذ القدم أنه “لم يخرج من مصر”، يحدث هذا في حين يوجد في مصر داعية لكل مواطن. وليس من المستبعد أن يكون هؤلاء المتهمون: القتلة والمرتشون واللصوص من الذين يبدون غيرة شكلية نفاقية على الدين.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر