الاربعاء 20 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10757

الاربعاء 20 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10757

المحرر بوظيفة مزيف للتقارير

صرنا أمام ظاهرة ليس أقل ما يقال عنها أنها حملة تزييف إعلامية تمتد إلى مساحة عريضة، تبدأ من الإعلامي والمراسل.. وصولا إلى شرائح واسعة من المشاهدين الذين يتعرضون للخيانة.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2015/09/15، العدد: 10039، ص(18)]

تتكدّس على طاولة محرر “الديسك” تقارير المراسلين والمكاتب والأقسام، هي حصيلة هذا الإعلام الذي لا يكاد يلتقط أنفاسه في ملاحقة الأحداث المتسارعة أو ما صار يشاع من خلال مقولة “مع الحدث وقبل الحدث”، أو بالمبالغات المفضية إلى فرضية “قبل أن يرتد إليك طرفك” تأتيك الفضائية والوسيلة الإعلامية بالخبر اليقين فمراسلوها يقظون، مجساتهم تلتقط ما يجري في الساحات، لا يتركون شاردة ولا واردة والمراسل مطمئن للمحرر النابه الذي ينسج كل ذاك التراكم في شكل تركيبة إعلامية بالغة الاتقان.

ها هو المراسل مثلا يشاهد تقريره فرحا على الشاشة كما هو بلا تعديل ولا تحريف، يا للأمانة والمهنية، حتى إذا أصابت المراسل سنة من النوم أو انصرف إلى شأن من شؤونه وتم بث التقرير في فترة إخبارية لاحقة ثانية أو ثالثة أو رابعة أو خامسة، كان التقرير والرسالة مقلوبة رأسا على عقب، فالعرض الأول كان النسخة البريئة والمهنية والمصداقية فيه تتدفق من كل حرف وصورة.

أما هذه النسخة المختلقة فهي تعبير عن سياسة الوسيلة الإعلامية، هاهي صحيفة “فرانكفورتر ألجماينه تسايتونج” الألمانية تراقب بعضا من ذلك من خلال رصد نماذج محددة في الإعلام العربي تحديدا وأيضا الإعلام العربي الناطق بالإنكليزية من خلال عينة أو عينات محددة، هنا يكشف تقرير الصحيفة عن صدمة المراسل وما جرى لرسائله الخبرية وكيف تم قلبها رأسا على عقب وإعادة إنتاجها على طريقة المحرر الروبوت الذي يطبق ما تم تلقينه لعقله في إعادة إنتاج ما يصل إليه بموجب الأبجدية التي تتبناها الوسيلة الإعلامية.

لا شك أنها علاقة ملتبسة ستولد ما بين المراسل وبين الوسيلة الإعلامية من جراء هذه الطريقة الاستثنائية في ضخ الرسائل المحرفة، وماذا بمستطاع المراسل أو الإعلامي أن يفعل في هذه الحالة؟

من المؤكد أن قلة من المراسلين سيعبرون عن اعتراضهم مما يجري، وقد يطالبون بإيقاف ما يبث بأسمائهم وأنه لا يمثلهم ولا يعبر عن رؤيتهم ومقاربتهم للحدث، لكن مراسلين وإعلاميين آخرين تعودوا أن ما يكتبونه وما يرسلونه، من رسائل إخبارية وتغطيات، هو برسم الوسيلة الإعلامية أو الفضائية تفعل فيه ما تشاء تعديلا وإضافة وإعادة إنتاج أو تحرير كل شيء مجددا.

من هنا صرنا أمام ظاهرة ليس أقل ما يقال عنها أنها حملة تزييف إعلامية تمتد إلى مساحة عريضة، تبدأ من الإعلامي والمراسل ومنتج الخبر والتغطية وصولا إلى شرائح واسعة من المشاهدين الذين يتعرضون للخيانة، خيانة في شكل تضليل يبدو في ظاهره تضليلا مشروعا، لكن حيثيات الواقع تثبت خلاف ذلك.

وهي خديعة ممنهجة للإعلامي والمراسل نفسه إذ يُستغل وجوده واسمه وطاعته وخوفه على وظيفته لإنتاج خطاب إعلامي جديد ورسائل جديدة يتم “تزييفها” بمهارة لغرض نقل وجهة النظر الحقيقية لتلك الفضائية أو أي وسيلة إعلامية أخرى، تحرف بوصلتها عن المصداقية الافتراضية التي تشيعها إلى مقاربات أخرى، يكون بطل المشهد فيها ذلك المحرر بوظيفة مزيف التقارير.

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر