الاثنين 11 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10839

الاثنين 11 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10839

قاموس خطر

أغرب قصص المنع، فكانت منع 'قاموس' لغوي، ومصادرته من قبل السلطات اليوغسلافية، وذلك لاحتوائه على كلمات وتعريفات قد 'تؤدي إلى البلبلة بين المواطنين'.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2015/09/18، العدد: 10042، ص(24)]

من يراقب الصور المنشورة مع أخبار حادثة معرض الكتاب الإسلامي في فال دواز في فرنسا، التي وقعت قبل أيام، حين اندفعت فتاتان من حركة فيمين، ووقفتا على منصة عليها شيخان يروجان لكتب تتحدث عن المرأة في الإسلام، وأصول تأديب الزوجة، وكيفية ضربها، سيرى منظر الشيخين، وهما في حال يرثى لها، يشيحان بنظرهما عن الفتاتين، وفي الوقت ذاته يختلسان النظر، بين اللحظة واللحظة، فهل كانا يحاولان قراءة ما كتبته الفتاتان على صدريهما العاريين مثل عبارة “لا أحد يستعبدني؟”.

لا شك أن ثمّة ما يتوجب على المسلمين إعادة النظر فيه فورا، وليس بعد حين، بعد فاجعة داعش وفجائع الطوائف، التي كان المستشرقون يظنونها تطويرا للإسلام المتطرف، وتحديثا له، واتضح أنها تطرّفٌ من نوع جديد.

وقد نتفهم رغبة الحكومات وبعض الجهات في ضبط ما يجب أن يقع بين يدي القراء، لكنها حين تصبح رغبة جنونية وغير معقولة، تجعلك تفكّر في العقل الذي يمنع تلك الكتب، لماذا يفعل ما يفعله؟ وبما أن العالم اليوم أصبح معولما، وتكسّرت حدوده، فقد عرفنا أن المنع لم يعد مقتصرا على عالمنا العربي “المتخلف”، بل إن هناك عالما متطورا آخر، موغلا في التخلف والخوف من الكتاب.

خلال الأيام الماضية استولت عليّ فكرة تصفّح قائمة الممنوعات في العالم، وخاصة تلك التي تحتوي على أسماء الكتب، فوجدت من بينها كتاب “أليس في بلاد العجائب”، وعرفت أن القصة كانت قد منعت في مقاطعة هونان الصينية منذ 1931 بسبب تقديمها الحيوانات وهي تتحدث مثل البشر، وهو ما رأت فيه هونان أمرا غير معقول، ولا يجب أن يطلع عليه البشر.

لكن أليس إذا رغبت بالتجول في عالم العجائب، فما عليها سوى زيارة كوكب الأرض، لترى كيف أن كتابا مثل “دليل الانتحار” الذي يصف بعض الطرق التي يمكن أن تستخدم للانتحار، كان قد أحدث زلزالا في فرنسا، بعد أن اعتبره البرلمان الفرنسي مساعدا على الانتحار، مما يتوجب تشريع قانون يحظر الانتحار والتحريض عليه أو الدعاية له من خلال المنتجات الاستهلاكية. وتم منع الكتاب وسحب نسخه من الأسواق، ولا يعرف أحدٌ كيف يمكن معاقبة المنتحر بعد أن ينتحر أو تغريمه.

ومن فتوحات المنع أيضا، منع كتاب “نهاية الداعية” لعبدالإله بلقزيز، ذات يوم في تونس، لأن الجهة المشرفة على الأمر، ظنّته كتابا دينيا، بسبب ورود كلمة “الداعية” في عنوانه، بينما هو كتاب نقدي ينصب على المثقف العربي وأدواره، معلنا فيه بلقزيز نهاية دور المثقف العربي كداعية ومبشّر للفكر، راسما ما سمّاها بمفارقات تصبغ خطاب المثقفين العرب، والتي تكمن في النرجسية الثقافية، والسادية الثقافية، والمازوشية الثقافية، والمؤامرة، مع أن أهم ما جاء في كتاب بلقزيز هو فكرته حول أن الغائب الأكبر في فكرة الالتزام لدى المثقفين اليوم هو “التزام مجال عملهم الطبيعي: المعرفة”. أما أغرب قصص المنع، فكانت منع “قاموس” لغوي، ومصادرته من قبل السلطات اليوغسلافية، وذلك لاحتوائه على كلمات وتعريفات قد “تؤدي إلى البلبلة بين المواطنين”.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر