الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

صناعة الدكتاتور

ارتبط مفهوم القوة بالفحولة في ثقافتنا التي ما زالت تمجدها وتعلي من قيمتها، حتى أصبحنا محكومين بالحاجة لهذا القائد الرمز، دون أن نعي أننا بذلك كنا نصنع طغاتنا ومستبدينا.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2015/09/22، العدد: 10046، ص(15)]

تميزت الثقافة العربية عن غيرها من الثقافات العالمية الأخرى بكثرة الألقاب، التي كانت تطلقها على الشعراء العرب، تكريما وتقديرا لتجربتهم، لكن هذا التكريم كان يحمل في مضمونه تكريسا لحالة التفرد الإبداعي، الذي كانت تختزل فيه صورة المشهد الشعري كله في شخصية هؤلاء الشعراء، حتى تحولوا إلى عناوين تطبع صورة الفضاء الشعري الذي حملت اسمه بطابعها الخاص.

جميعنا يتذكر الكثير من تلك الألقاب التي كانت تلازم حضور تلك الأسماء في أدبياتنا، فقد كان حافظ إبراهيم شاعر النيل، وإيليا أبوماضي شاعر المهجر، وعبدالكريم الكرمي المكنى بأبي سلمى زيتونة فلسطين، وخليل مطران شاعر القطرين، وشفيق جبري شاعر الشام، وكان اختيار أمير للشعر امتدادا وتتويجا لهذه الظاهرة، التي وجدت في أحمد شوقي زعيما أوحد لتلك الإمارة.

صحيح أن هذه الألقاب لا تحمل أكثر من قيمة معنوية، لكنها في دلالاتها الرمزية ومعانيها تكشف عن ميل الثقافة العربية إلى تكريس شخصية الفرد الزعيم، وحاجتها إلى هذه الشخصية التي تجعل من الشعر كيانا لا يقل من حيث قيمته الاجتماعية عن النظام الذي كان يحكم الحياة السياسية العربية.

تعود هذه الظاهرة في جذورها القديمة إلى مفهوم الشاعر الفحل عند النقاد العرب القدماء في تصنيفهم لمراتب الشعراء، ما يجعل فهم هذه الظاهرة يستدعي وضعها في سياقها التاريخي والثقافي، على الرغم من تغيّر التسمية. ثمة حاجة كانت تخترع هذه الثقافة لها الأسماء لتكريس ظاهرة الزعيم الأوحد، التي ساهمت في صناعة شخصية الدكتاتور الفحل والمهاب وشكلت التربة الصالحة لنموّ هذه الظاهرة وتقبلها والخضوع لسطوتها بوصفها حاجة يبحث عنها المجتمع.

إن الفصل بين ظاهرة الدكتاتور، القائد الأوحد والزعيم الخالد الذي يتم تضخيم صورته في المخيال الشعبي، والدور الذي لعبته الثقافة العربية على هذا المستوى، هو الذي جعل القراءة الخاطئة تتهم الجماهير أو المجتمع بالمسؤولية عن بروز ظاهرة الزعيم القائد، الذي يختصر جميع المعاني الكبيرة في شخصيته.

لقد ارتبط مفهوم القوة بالفحولة في ثقافتنا التي ما زالت تمجدها وتعلي من قيمتها، حتى أصبحنا محكومين بالحاجة لهذا القائد الرمز، دون أن نعي أننا بذلك كنا نصنع طغاتنا ومستبدينا، ولهذا لا بدّ كشرط موضوعي للخلاص من هذا الواقع أن نعمل على تحرير ثقافتنا من هذا الموروث الفحولي، الذي سوف ينعكس على صورة الحاكم في المخيال العام، وعلى علاقتنا به، وينهي تاريخا طويلا من تمجيد الشخصية الفردية التي اختزلت جميع صفات الكمال فيها، استجابة لحاجة إلى تكريس هذا الرمز شاعرا كان أم سياسيا.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر