السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

العاصفة الرقمية ومدارس الطين

تسرع مؤسسات التعليم للاستفادة القصوى من هذا الفيض الرقمي الذي صار يختصر ويخفف كثيرا من أعباء ومسؤوليات المؤسسات التعليمية.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2015/09/22، العدد: 10046، ص(18)]

لم يكن هذا التدفق الرقمي الذي يعيشه سكان الكوكب الأرضي خلال ربع قرن من الزمن كفيلا بقراءات مختلفة للكثير من جوانب الحياة. المفاصل الحيوية للميديا العالمية كلها تتكيف مع العالم الرقمي، والرقمنة تزحف باضطراد إلى غرف النوم والمدارس والمقاهي والساحات والجامعات والجيوش ومراكز الأبحاث والحياة الشخصية وأنظمة النقل والمواصلات والتجارة وبذلك تحقق إدماج شبه كامل بين حياة الفرد وبين ذلك الواقع الرقمي المركب ولم يعد من سبيل إلى النأي بالنفس عما يجري.

في الوقت نفسه تتصاعد أعداد مستخدمي الرقمنة ووسائل التواصل الاجتماعي وشبكة الإنترنت إذ تخطت الثلاثة بلايين مستخدم أي بما يعادل 40 بالمئة من سكان الأرض تصلهم هذه الخدمة ويستخدمونها فعلا والرقم في تصاعد وهؤلاء صارت علاقتهم بالميديا تداولية وتجاوزت الصفة التواصلية بمسافات، بمعنى أن هذا العالم الرقمي صار منظومة حياتية متكاملة.

وفي ظل هذا المشهد تسرع مؤسسات التعليم للاستفادة القصوى من هذا الفيض الرقمي الذي صار يختصر ويخفف كثيرا من أعباء ومسؤوليات المؤسسات التعليمية وانتشرت على نحو غير مسبوق مدارس ومعاهد وجامعات التعليم عن بعد والتراسل الرقمي وضخ البيانات والمعلومات للطلبة خارج أوقات الدرس وصارت حلقات البحث تجتمع في الفضاء الرقمي في مؤتمرات افتراضية تصبح فيها المادة الرقمية في غزارتها منافسة ومتغلبة على ما عداها.

ولو عدنا إلى الحياة العربية في شكلها الذي نعيش فصوله لغرض مقاربة تلك العاصفة الرقمية وكيف تمثلت في العالم العربي لوجدنا أن نسبة مستخدمي الإنترنت في العالم العربي لم تتعد 5 بالمئة من إجمالي مستخدمي الفضاء الرقمي على مستوى العالم وفي أحسن الأحوال لم ترتق النسبة في أغلب البلاد العربية حاجز النصف من تعداد السكان وبقي النصف الآخر بعيدا عن ذلك التسارع المضطرد لهذا التطور والتدفق المذهل.

بالطبع انسحب ذلك إلى المدارس والجامعات التي ما زالت في أغلب البلاد العربية غارقة في الأنظمة التعليمية البدائية البعيدة بعد السماء عن الأرض عن مهارات العالم الرقمي. المعلمون والأساتذة أميون بشكل كامل أو شبه أميين في هذا الحقل فكيف يقربون صورته لتلاميذهم؟ المخططون للتعليم ليس في برامجهم جسر الفجوة الرقمية التي تتسع، يحصل هذا ومازال هنالك آلاف مؤلفة من التلاميذ يدرسون في مدارس من الطين أو الطوب وفي مدارس أخرى يجلسون على الأرض في واقع تعليمي يعود إلى قرون خلت.

هذا المشهد المتناقض ينسحب أيضا إلى مستوى معاهد وجامعات ما زالت تعتمد الأساليب التقليدية في التعليم إذ ما زالت بعض السلطات تنظر إلى شبكة الإنترنت مثلا بكثير من الحذر والريبة بل إن هنالك من يدعو إلى محاربة هذه البدعة الرقمية التي يريد أعداؤنا من ورائها تخريب تربية الأجيال وكأن لسان حال أصحاب هذه الدعوات يريدون المضي إلى الكتاتيب وضرب التلاميذ فيما العاصفة الرقمية تعصف بالعقول، والمعلم وتلاميذه متحيرون في متحف الطين الذي صار قدرا لهم.

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر