الثلاثاء 30 مايو/ايار 2017، العدد: 10648

الثلاثاء 30 مايو/ايار 2017، العدد: 10648

كوليرا في أروقة وطن

النظامان في العراق وسوريا استساغا الجلوس على مصطبة الاحتياط، يتابعان اللاعبين الأساسيين ولجنة الحكام الدولية متغيرة الأهواء، والمراقبين الذين لا يؤثرون إلا بإرادة الكواليس وغرفة نزع الملابس.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2015/09/29، العدد: 10051، ص(8)]

جرح الأرض أكيد عربي، على الرغم من إصرار شعوبنا على لغتها العربية الفصيحة، واهتمام الحكام بها، ومحاسبتهم حتى لأنفسهم عند أي اعوجاج في نطق الفتحة والكسرة والضمة، والجزم أيضا.

وهم حاسمون بفطرتهم في عقاب شعوبهم، مرة للتذكير والتأديب، وتارة لتطبيق قانون الدولة وحقها في الرقابة حتى على الحواس والغرائز لكي لا تنتج رأسا صلبا ربما تناهى في العناد، فيقع تحت طائلة الحساب وحق الشرعية المستمدة من مطبخ الشعب وبرلمانه الذي يراقب بإعجاب همسات السلطة ومزاجها ويلبي جموحها.

لاحظت منذ مدة انخفاض صوت مفردة حقوق الإنسان من الإعلام، ربما خجلا، لأن الإنسان، أساسا، غير موجود فكيف نبحث له عن حقوق.

العالم الغربي، أدخلنا في حساباته، ورقابة عيونه، خوفا من حماقات ترتكب في هذا البلد أو ذاك، أقبية سجون سرية أو إبادات تحت جنح ليل أو تحت زغاريد شعب، المفارقة أنه بعد كل ضجيج وقرع أبواب العدالة وتطبيقات القانون الدولي، باغتتنا قضية مثل فضيحة سجن أبو غريب تحت راية العدالة الأميركية.

وصدمنا بسجون الأحزاب الراكعة لله خوفا من يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، مع ذلك في العراق مازالت المشاريع الاستثمارية تزخر ببناء المعتقلات المشينة التي تغتصب فيها كرامة الرجال، وتندى لأفعالها أبشع جرائم التحقير البشري.

كيف يمكن وصف وشرح وتحليل الخفايا وظواهر رحيل الشعوب وهجرتها الجماعية، ألا يدفع ذلك إلى التفكُر بما لا نراه، مع وجود الكاميرات الشخصية وأجهزة الاتصال المباشر والعيون المتلصصة في كل سماء.

أكثر من 30 ألف صورة مسربة لأكثر من 30 ألف إنسان مات جوعا وتعذيبا في سجون النظام السوري، وتم تهريبها وشاهدها العالم بحكامه الأشاوس، وغير الأشاوس، وكل هيئات العالم بما فيها الأمم المتحدة ومجلس أمنها العتيد، ثم اُبتُلِعَ الملف في أدراج التوقيتات لمناسبات الأعراس الدولية، حتى تصدر الأوامر لإعادة النظر والتدقيق في صحة الصور والتأكد منها ووصل الحال إلى استرضاء القاتل وتأجيل القبض عليه والتريث ودون حاجة للمداهمات الفورية، أو إسعاف فوري لشعوب وجدت نفسها في معمل تكرير الموت وكماشة المخططات الدولية ونزعات كرسي حكم، تساوم مصير شعب ببقاء حاكم مشلول يحتاج من يخدمه ويوفر له أسباب استمرار الحياة ولو بأجهزة صناعية للتنفس.

حقوق الإنسان، تذكرني بالرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران وإعلانه عن عدم حق التدخل في شؤون الدول الأخرى، إلا في حالة تعرض شعب ما إلى المجازر والإبادة، لكننا تابعنا الانتقائية في قرارات التدخل أو ترك الحبل على غارب المساومات والصراعات الدولية، وضياع فرص كثيرة للسلام، لا توجد أُبوّة صالحة وصارمة في تطبيق روح النصوص الكفيلة والضامنة لحياة البشر.

الشعوب ليست لها القدرة على مصادرة أهواء التفسيرات، أو الدخول في جدل القوانين الوضعية التي تتحول، أحيانا، إلى دكتاتورية نص، يلحق بتجمعات سكانية الأذى، بما يصل إلى الحصار والموت والمعاناة طويلة الأمد.

الاتحاد الأوروبي، وفي وثيقة الحقوق الأساسية وفي ديباجته، وتحديدا الاتفاق 47 في سنة 2000 نص على ما معناه، أن الاتحاد يستلهم إرثه من المبادئ “الكونية” والمقصود بها كرامة الإنسان وحريته ومساواة التضامن معه، وتفسير ذلك أن مرجعية مفردة “الكونية” يستحيل أن تعيد الإنسان إلى أصل المجموعات أو دينها أو تراثها، لتتعاطى معه وفق جذوره العرقية أو عقائده.

نقارن ذلك بالحرب على الإرهاب، واستخدام سلاح الجو بطلعات تجاوزت عشرات الآلاف، وإنفاق متعدد الأوجه وصلت تكاليفه إلى قرابة 400 مليار دولار، وحدوده لا تقف عند هذا الرقم، وستتضاعف مع استمرار الرؤية الأميركية في استقطاب كل الذباب لمستنقع صناعي ساهمت فيه قوى العالم، وهيأت له الظروف المناخية مستفيدة من التراجع الحضاري في المنطقة، وإصرار نماذج من الحكام على استقدام الموجات الدينية والمذهبية كحل لتوطيد مراكز القوى بأسباب تنتمي إليها الجماهير وتنقاد لها وهي مغمضة البصر والبصيرة.

النظامان في العراق وسوريا استساغا الجلوس على مصطبة الاحتياط، لتدني طاقتهما وانخفاضها المستمر، وهما يتابعان اللاعبين الأساسيين ولجنة الحكام الدولية متغيرة الأهواء، والمراقبين الذين لا يؤثرون كثيرا إلا بإرادة الكواليس وغرفة نزع الملابس.

ضحايا من المدنيين في العراق بقصف من طائرات مجهولة، حدث ذلك في أطراف بيجي، كل هذه السماء الملبّدة بالطائرات لتحالف من 64 دولة وهناك طائرة مجهولة!

مدفعية مجهولة، أيضا، استهدفت المدنيين في مدن أطراف الرمادي وسقوط ضحايا أيضاً، وهناك من يحاول إبعاد الأنظار عن مرتكبي هذه الجريمة، وكل حقائق العيان تؤكد أن قطعات عسكرية نفذت الضربات.

الأكاذيب، تفضحها جراح الأرض ونزيف الدم والهروب الكبير من الأوطان.

كرسي الشعب شاغر، المستقبل بعهدة الماضي، وسقطات ومثالب صراع السياسة المغلّف بالتقوى وكلمات الإيمان واحتكار الأحزاب لسلطة المشروع الديني وجيناته النفسية الموروثة.

الفضيحة، في التواطؤ الشامل بين الأحزاب الحاكمة والإرهاب والميليشيات والزعامات المحلية والإقليمية والدولية المتوسطة والدولية الكبيرة، في تدمير الشعوب وتحويلها إلى خيمة حقوق إنسان خارج الوطن، يتقاذفها اليمين واليسار لتبدو مثل كرة لهب متنقلة، بإمكانها أن تشعل الحرائق في غفلة من سياج حدود أو شرطة أو منظمات إنسانية.

ثمة غيوم تتجمع، تتآمر على جفاف المبادئ الكونية، وكوليرا تصرخ بالتخلف في أروقة وطن يشبه مشفى عاما، يضجُّ بأنين المرضى وموتهم، لكن أهاليهم حاسمون بفطرتهم في عقاب حكامهم الفاسدين على الرغم من لغتهم العربية الفصيحة.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر