الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

المدينة الملعونة

لقد ظلم الشعراء دمشق، وكانوا الاستثناء بين الشعراء الذين ألحقوا بعاصمتهم التاريخية كل صفات العهر والزيف والسقوط.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2015/09/29، العدد: 10051، ص(15)]

التحول الشعري الذي شهده النصف الثاني من أربعينات القرن الماضي على يد رواد الشعر الحديث، لم يكن طفرة في تاريخ الشعرية العربية، بل كان ثمرة عوامل موضوعية، اجتماعية وثقافية داخلية وخارجية ساهمت في تحقيقه.

ومع أن مفهوم المدينة كما كان الحال عليه في الغرب، لم يكن قد تبلور لدينا بعد، نتيجة للتداخل الذي كان قائما في بنية المجتمع المدني، على المستوى الطبقي والاجتماعي، إلا أن أغلب شعراء تلك الموجة وقفوا ضد المدينة، وهجوها رغم استغراقهم في عالمها واستجابتهم لإغراءاتها.

التأثير الذي لعبه الشعر الغربي على شعراء تلك المرحلة، وفي مقدمته شعر أليوت الغارق في نزعته الرجعية، ساهم بصورة أساسية في تكوين هذا الوعي، وتصعيده تجاه المدينة، ولا سيما عند شعراء الريف السوريين، الذين راح أغلبهم يهجو دمشق، وينعتها بشتى الصفات الذميمة رغم ما قدمته لهم من فرص العلم والشهرة.

لم تكن دمشق في خمسينات وستينات القرن الماضي مدينة بالمعنى المعروف سواء من حيث الحجم، أو علاقات الإنتاج المتداخلة عند طبقتها التجارية والصناعية، التي كانت تمتلك إقطاعيات زراعية في ريفها، حتى يشعر هؤلاء الشعراء بالظلم الاجتماعي فيها، خاصة وأنهم قدموا إليها في مرحلة سيطرة القوى السياسية والعسكرية الريفية، على الحياة السياسية والثقافية فيها، وكانوا هم عدتها الثقافية والحزبية في ذلك.

لقد ظلم هؤلاء الشعراء دمشق، وكانوا الاستثناء بين الشعراء الذين ألحقوا بعاصمتهم التاريخية كل صفات العهر والزيف والسقوط. لكن الغريب أن ثورية هؤلاء الشعراء الريفيين، لم تجد رمزا يدل على معنى الغواية والسقوط الذي تمثله دمشق سوى المرأة البغي، ما يفضح طبيعة وعيهم الثوري المزيف، الذي ظلت المرأة فيه رمزا للغواية والسقوط.

لكن المفارقة الغربية في هذا الموقف، والتي تفضح زيفه، أن هؤلاء الشعراء، رغم ما أبدوه من سخط ورفض لعالمها الرخيص والفاجر، لم يستطيعوا هجرانها والعودة إلى ريفهم الفاضل، بل تناسوه واستغرقوا في حياة الرفاهية والملذات بعد أن سيطروا على المؤسسات الثقافية والإعلامية فيها، وأصبحوا جزءا أساسيا من حياة اللهو والرفاهية، متناسين كل ما قالوه فيها.

إن هذا الوعي الريفي الساذج، الذي أسقطته هزيمة حزيران عام 1967 وكشفت عن زيفه وأوهامه، هو الذي جعل هؤلاء الشعراء يحوّلون قصائدهم، إلى ما يشبه جلسات الندب والبكاء على الحلم الضائع والغد الموعود، الذي طالما كانوا يبشرون به، وينتظرون هداياه على أيدي ثوريي الريف وطلائعه، الذين لم يكتفوا بترييف المدينة، بل جعلوا منها مراكز للفساد والنهب، وهدفا لإجرامهم عندما أصبحت سلطتهم عليها في خطر.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر