الجمعة 21 يوليو/تموز 2017، العدد: 10698

الجمعة 21 يوليو/تموز 2017، العدد: 10698

عالم الحكايات

في لندن تستقل تاكسي وبينك وبين السائق جدار من زجاج، تمضي بسيارة الأجرة من بيتك إلى محطة القطار وتغادر التاكسي دون أن تكون محملا بحكاية.

العرب حسين صالح [نُشر في 2015/09/29، العدد: 10051، ص(24)]

في إنكلترا لا تسمع حكايات. الناس لا تحكي لبعضها البعض قصصا، رغم أن البشر فيها، مثل البشر في بلادنا، ملآنين إلى آذانهم تواريخ ومواقف وبالتالي حكايات. يروون شيئا أثناء السمر ودعوات الأصدقاء إلى البيوت والحانات لكنك لا تسمع شيئا من رجل لا تعرفه. الحكايات حكر على الأصدقاء.

في لندن تستقل تاكسي وبينك وبين السائق جدار من زجاج. تمضي بسيارة الأجرة من بيتك إلى محطة القطار وتغادر التاكسي دون أن تكون محملا بحكاية. السائق يضن بأخباره ولا يتكلم، وأنت قابع في مقعدك الخلفي لا تصدر منك كلمة واحدة.

تذهب إلى بلد عربي وتعود محملا بألف حكاية. في القاهرة يبدأ سيل الحكايات من الصباح وأنت لم تغادر الفندق بعد. منظفة الغرفة عندها حكاية، نادل البوفيه في الإفطار عنده قصة، وكذلك موظفة الاستقبال. تتجمع عندك على الأقل ثلاث قصص وأنت لم تغادر الفندق بعد.

كل هذا وأنت لم تركب تاكسي بعد. سيارات الأجرة موطن الحكايات. عنده حكايات عن الشارع الذي تمرون به وعن البنايات وعن البضاعة المعلنة في الملصقات من “طلمبات كالبيدا” إلى “تلفزيونات آل جي” مرورا بالزبادي والشيبسي. عنده حكايات عن أسرته وأقاربه وعن الكوارث والسياسة. حتى إن قررت أن تتشاغل عنه بقراءة كتاب سيسألك “ماذا تقرأ؟” ومن هذه النقطة ينطلق الحديث.

تصل إلى حيث تريد وتغادر التاكسي وأنت محمل بمعلومات غريبة. في ركوب تاكسي واحد قد تسمع عن ابنة السائق التي عمرها تسعة أشهر والتي تدمن الأركيلة ولا تنام إلا في المقهى. يصطحبها أبوها زاعقة ساخطة ولا تهدأ إلا عندما يدخن الوالد أركيلة في المقهى القريب وتستنشق هي دخان أراكيل رواد المقهى كلهم فتغفو ويحملها الأب برفق إلى البيت. كل هذا واسمها ليلى.

الخيط الذي ينظم القصص هو الشكوى من الغلاء. تسمع آلاف القصص وتتعلم أسعار الأشياء وقطع الغيار وتتعرف على فواتير الماء والكهرباء والغاز. وسط سيل من هذه المعلومات توقف السائق مرة وسألني “هل تسمع عن شيء اسمه الإحصاء؟” فقلت “أسمع”. فقال إن مجموعة من علماء الإحصاء الأميركان حضروا إلى مصر لإجراء دراسة. وسألني “هل تعرف شيئا عن علماء الإحصاء؟” واستطرد لوحده “عالِم الإحصاء هذا ينظر إليك نظرة واحدة، مجرد نظرة، ويخبرك كم تنفق على الكهرباء والإيجار وطعام الأسرة وكل شيء ويعرف دخلك أيضا” فأبديت العجب.

علماء الإحصاء وجدوا، قال السائق، إن دخل الفرد لا يتجاوز الألف جنيه وإنه ينفق نحو ألف وأربعمئة جنيه موزعة بين الإيجار والنقل والكهرباء والطعام. ذهل العلماء ولم يعرفوا حلا لهذه المعضلة الحسابية. وبعد أن حكوا رؤوسهم وحسبوا وحسبوا توصلوا إلى الحل. فكتبوا في تقريرهم النهائي أن “في مصر ربا اسمه الكريم”.

لو تقضي عمرا في إنكلترا لن تسمع قصة جميلة كهذه. دعك من الحقيقة واستمتع بالحكاية.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

:: اختيارات المحرر